بحث عن بحث

بسم الله الرحمن الرحيم

المبحث الثالث

فوائد معرفة أسباب ورود الحديث

العلم بأسباب ورود الحديث الشريف يفيد كثيراً للمشتغل بالحديث والفقه معاً، ومن أبرز الفوائد المتحصلة من هذا النوع:

1-  إدراك حكم التشريع، ومعرفة مقاصد الشريعة.

يعد سبب الورود معرفاً بالظرف الذي لأجله ذكر الحديث، وما احتف به من الظروف والملابسات، وهذا يفيد كثيراً في مسألة الاجتهاد وتنزيل الأحكام على الوقائع والنوازل، ويعين في باب القياس وضم النظير إلى نظيره.

2-  فهم الحديث على الوجه الصحيح، وسلامة الاستنباط منه.

قال الواحدي عن أسباب النزول: "إذ هي أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية، وقصد سبيلها دون الوقوف إلى قصتها وبيان نزولها" (1).

وقال ابن دقيق العيد: "بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن" (2).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب" (3).

والأمر لا يختلف كثيراً في أسباب ورود الحديث عنه في أسباب نزول القرآن، فالفقيه والمجتهد بحاجة ماسة إلى النظر في سبب ورود الحديث، حتى لا يحصل الخطأ في فهم النص وتنزيله على غير محله (4).

ولعلي أضرب على ذلك مثالاً يوضح ذلك:

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصوم في السفر" (5)، وهذا مشكل مع ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صام في السفر؛ لكن هذا الإشكال ينزاح إذا عرف سبب ورود الحديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا؟" فقالوا: صائم، فقال: "ليس من البر الصوم في السفر".

فبمعرفة سبب ورود الحديث فهم الحديث على وجهه، وسلم الاستنباط منه، وأن الصيام في السفر لا يكون من البر إذا بلغ بالمرء من الجهد والمشقة كحال ذلك الرجل.

3-  تخصيص العام.

4-  تعيين المبهم.

ومن أمثلته ما جاء عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" متفق عليه (6).

فقد بين هذا المبهم في سبب ورود الحديث، وذلك في قول أنس: كسرت الربيعُ - وهي عمة أنس بن مالك - ثنية جارية من الأنصار فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بالقصاص، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره".

المبحث الرابع: المؤلفات فيه.

أشار إلى هذا النوع ابنُ دقيق العيد في شرح حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (7)، والبلقيني (805 هـ) في (محاسن الاصطلاح)، وقال في آخر كلامه: "والمرجو من الله سبحانه وتعالى الإعانة على مبسوط فيه بفضله وكرمه" (8).

ومن أشهر ما صنف في هذا النوع:

1-  أسباب ورود الحديث، أو اللمع في أسباب الحديث، للحافظ السيوطي (911 هـ)، وهو مرتب على الأبواب، وطبع في جزء بتحقيق د. يحيى إسماعيل.

2- البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف، لابن حمزة الحسيني الدمشقي (1120 هـ)، وهو مرتب على الحروف، وأوسع وأشمل، وطبع في ثلاثة مجلدات.

الهوامش:

 (1) أسباب النزول لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري(4).

 (2) نقل قوله صاحب الإتقان في علوم القرآن جلال الدين السيوطي (1/84).

 (3) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع عبد الرحمن بن قاسم (13/339).

 (4) تكلم الأصوليون على إعمال سبب الورود في الترجيح بين النصين المتعارضين ضمن مرجحات المتن، ينظر: ضوابط الترجيح عند وقوع التعارض لدى الأصوليين) (ص: 321).

 (5) أخرجه البخاري (1946)، ومسلم (1115).

 (6) رواه البخاري (2703)، ومسلم (1903).

 (7) إحكام الأحكام (1 /10).

 (8) محاسن الاصطلاح (ص: 632)، وينظر: (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام) لابن الملقن (1/205).