حجية السنة

 

 حجية السنة معناها: أن السنة مصدر أصيل من مصادر التشريع الإسلامي، بحيث يصح الاعتماد عليها والاستناد إليها في استنباط الأحكام وثبوت التكليف بها، والسنة بهذا المعنى حجة واجبة الاتباع، وقد دل على ذلك:

1- القرآن الكريم.

2- السنة المطهرة.

3- إجماع الأمة.

4- العقل والنظر.

 أولاً: دليل حجيتها من القرآن الكريم:

 لقد تعدت الآيات القرآنية الكريمة التي تدل على أن السنة حجة قطعية، وجاءت بنسق متنوع، وأسلوب مختلف، لتأكد هذا المعنى تأكيدا يقطع كل احتمال، وتثبت أن الله يعنيها ويقصدها بعينها، وتبين أن اتباعها اتباع للقرآن.

 وهذه الآيات على أنواع، وقد تشتمل الآية الواحدة على أكثر من نوع، وسأكتفي هنا بذكر خمسة أنواع.

النوع الأول: ما يدل على وجوب الإيمان به - صلى الله عليه وسلم -:

1- قال تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [ سورة آل عمران / 179].

2- وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [ سورة الحديد / 19].

3- وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ) [سورة النساء/ 136].

4- وقال تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [ سورة الأعراف /158].

5- وقال تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [سورة التغابن / 8].

الأنبياء والرسل هم سفراء الله إلى خلقه يبلغونهم منهجه ويدلونهم على هديه، ومن ثم وجب الإيمان بهم حتى لا تتعطل الحكمة من إرسالهم، ولا تذهب الفائدة من التبليغ عنه سبحانه.

والأمر بالإيمان بهم مع الأمر بالإيمان به - عز وجل -، لا يفهم معناه إلا إذا كان مع الإيمان التصديق بما جاءوا به، والإذعان لما يبلغونه عن الله، والانقياد والطاعة لهديهم وإرشادهم، فلن يحصل الإيمان مع المخالفة أبدًا، ولن يتحقق التصديق مع عدم الانقياد والطاعة والإذعان لما يبلغونه عن ربهم.

ورسولنا - صلى الله عليه وسلم- يجب الإيمان به للأمر بالإيمان بجميع الرسل، وطاعته كذلك واجبة كطاعة الرسل المفهومة من الأمر بالإيمان بهم.

غير أن ربنا لم يكتف في الإيمان برسولنا - صلى الله عليه وسلم- بالأمر العام الصادر منه - عز وجل- بالإيمان بالرسل عامة، بل خصه بالتنصيص على الإيمان به، برغم دخوله في الأمر بالإيمان بالرسل، وذلك لأن رسالته خاتمة الرسالات، وبعثته عامة لجميع الناس، لذلك اقتضت حكمة الله أن يخص رسولنا بعنايته، فقرن الإيمان به بالإيمان برسوله في آيات من كتابه الكريم، حتى يكون الأمر الذي فيه التنصيص على الأمر بالإيمان به خاصة، مفهوماً منه الأمر بطاعته خاصة، في كل ما يأمر به.

- وجه الدلالة من هذه الآيات:

على ضوء ما تقدم يمكن أن يقال: إنها من أدلة بيان الضرورة التي هي دلالة السكوت عند الحنفية، لأن الطاعة وهي مسكوت عنها استفيدت من الأمر بالإيمان وهو مذكور، إذ الطاعة ثمرة الإيمان وفائدته، بل لا يتحقق الإيمان إلا بالاستسلام لكل ما يأمرون به.

وعند الشافعية دلالة الآيات من دلالة مفهوم الموافقة التي هي فحوى الخطاب ولحنه، لأن الأمر بالإيمان بهم يفهم منه الأمر باتباعهم، إذ الاتباع كما قلنا ثمرة الإيمان وفائدته، ومن لا يتبع لا يكن مؤمنا ولا مصدقا، بأية حال من الأحوال، بل يكون مخالفاً خارجاً متبرما على هديهم، شاقا عصا الطاعة عليهم.

ويمكن أن يقال على ضوء اعتبار الحقيقة الشرعية للإيمان: إن الآيات من دلالة إشارة النص عند الحنفية؛ لأن الطاعة لازمة للإيمان، واللازم حينئذ ظاهر، ومن دلالة الإيمان عند الشافعية لأن اقتران الأمر بالإيمان قد وصف بوصف وهو: الرسالة، فلو لم يكن علة للطاعة لكان الاقتران بعيداً.

ورحم الله الإمام الشافعي إذ كان دقيقا غاية الدقة حينما سلك هذا المسلك، فجعل اقتران الأمر بالإيمان بالرسول بالأمر بالإيمان بالله وجها من أوجه الدلالة على طاعة الرسول وفرض اتباعه، فقال: (وضع الله رسوله من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان - جل ثناؤه - أنه جعله علما لدينه، بما افترض من طاعته، وحرّم من معصيته، وأبان من فضيلته بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به....)

ثم قال: قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) [ سورة النور/ 62].

فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له، الإيمان بالله ثم برسوله، فلو أمن عبد به ولم يؤمن برسوله لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبداً حتى يؤمن برسوله معه.

وهكذا سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل من امتحنه للإيمان.

أخبرنا مالك عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم قال: (أتيت رسول الله بجارية، فقلت: يا رسول الله، عليَّ رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقال: ومن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: فأعتقها)(1).

ثم قال الشافعي: فرض الله على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله.


 


(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إياحته، رقم (1199).

 

التعليقات  

#1 ولكنالعلمي ١٧ ذو الحجة ١٤٣٧هـ
الإيمان بالرسول صلى الله عليه و سلم أمر واجب و لا يتصور وجود مسلم لا يؤمن به و لكن امتحان الناس كما يرى من بعضهم اليوم أمر مخالف و الله أعلم أحدث من الشر و الفرقة ما الله به عليم خاصة و هم يمتحنونهم عن الحاكم فيقولون ما تقول في الحاكم و يبنون على ذلك أحكاما من ولاء و براء ولا حول و لا قوة إلا بالله
اقتباس

أضف تعليق

كود امني
تحديث



بحث عن بحث