بحث عن بحث

 

إن في التاريخ لعبرة ( واجبنا نحو اخواننا في سوريا )

 

خطبة للدكتور: محمد بن عدنان السمان

 

الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ، و اشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو كل شيء قدير ، وأشهد أن محمدً عبد الله ورسوله وصفيه وخليله ، اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد : فاتقوا الله إخوة الإسلام .

أيها المسلمون ..الشدائد التي تمر بالأمة الإسلامية هي مجال رحب للاستذكار والتذكر ، والادكار والتفكر ، والأمة منذ نشأتها تمر بفترات عصيبة ، وشدائد كبيرة ، ولكنها تتجاوز هذه المحن وتحولها إلى منح ، ولا تزيدها تلك الأيام إلا علواً ورفعة .

في مكة وفي أول الدعوة النبوية ، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يخفون إسلامهم ومن أظهره عذب وضرب ، وفي هذه المحنة والنبي صلى الله عليه وسلم متوسد بُردة له في ظل الكعبة ، يأتيها أحد أصحابه .. يأتيه خباب بن الأرت رضي الله عنه : ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). رواه البخاري .

وكان ماكان بعد سنوات قليلة من فتح ونصر وتمكين كبيرا ، حتى قال تعالى في محكم التنزيل( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً) عظيما ً بيناً .

وفي أول خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ارتد مجموعة من العرب فكانت محنة كبيرة على المسلمين ، لكن الله وفق أبو بكر رضي الله عنه وجمعاً من أصحابه الكرام ووقفوا وقفة الرجل الواحد أمام هذا المحنة حتى تبدلت فرجاَ ويسراً .

وفي التاريخ الإسلامي الطويل قرأنا كثيراً من تلك الأيام التي اشتد فيها الحال على المسلمين وضاقت بهم السبل ، واشتدت عليهم الكروب ، لكن الأمة بعد كل محنة ، تزداد كالذهب لمعانا ً وبريقاً .

وقف الامام أحمد بن حنبل رحمه الله أمام محنة خلق القرآن فسجن وضرب وعذب ، فما زادته بعد أن انقشعت إلا سموا ورفعة ، وانتشر علمه في كل مكان .

وجاءت فتنة التتار التي قال عنها الامام ابن كثير في البداية والنهاية :

ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون... حتى قال : ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار أخذوا لهم أماناً، بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم .

وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة، ثم وصف الامام ابن كثير رحمه الله حال هذا الوزير الرافضي المدعو ابن العلقمي فقال:ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعاً منه أن يزيل السُنة بالكلية، وأن يظهر البدعة الرافضة وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمفتيين، والله غالب على أمره، وقد رد كيده في نحره، وأذله بعد العزة القعساء، ... واكتسب إثم من قتل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال، فالحكم لله العلي الكبير رب الأرض والسماء .

و في التاريخ أيضاً عثى الصليبيون فساداً في فلسطين وما حولها فقيض الله لهم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله فأعاد للأمة سابق مجدها .

وهكذا إخوة الإسلام فإن الله تعالى قال ومن أصدق من الله قيلاً (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً(5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) قال عمر رضي الله عنه : مهما ينزل بامرئ شدة يجعل الله له بعدها فرجا, وإنه لن يغلب عسر يسرين .

وفي هذه الأيام : يواجه إخواننا في بلاد الشام وتحديداً في سوريا فتنة عظيمة ، ومحنة كبيرة ، قتل وترويع لم يسلم منه الصغير فضلاً عن الكبير ، رجال ونساء ، شيوخ وأطفال ، قتلوا وجرحوا وجوعوا وروعوا وهجروا من بيوتهم ومساكنهم بل وكثير منهم تركوا بلادهم وأوطانهم ، في وضع إنساني مخيف ، وأمني مفزع ، نسأل الله أن يلطف بهم ، وأن يبدل خوفهم أمناً .

أيها المسلمون : واجبنا تجاه اخواننا كبير ، سأتحدث عنه بشيء من التفصيل – إن شاء الله – في الخطبة الثانية .

اللهم اغفر وارحم وأنت خير الراحمين .

الحمد لله العلي الكبير، والسميع البصير ، اللطيف الخبير ، والصلاة والسلام على البشير النذير ، وعلى آله وأصحابه واخوانه ، أما بعد :

فتقوى الله جل جلاله هي أول الوصايا في تفريج الكربات و كشف الملمات ، ومايصيب الأمة اليوم من محن يحتاج منا إلى مراجعة أنفسنا ، وتقوانا لله تعالى ، وتوكلنا عليه سبحانه ، فوصية الله ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } يقول ابن الجوزي:ضاق بي أمر أوجب غماً لازماً دائماً، وأخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم بكل وجه، فما رأيت طريقاً للخلاص، فعرضت لي هذه الآية: **( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ) فعلمت أنّ التقوى سبب للمخرج من كل غم، فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى فوجدت المخرج .

عباد الله : التقوى طريق إلى تيسير الأمور ، قال تعالى : (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) .

أيها المسلمون : كل ما تزداد الأحداث ضرواة وشدة يؤذن بالفرج المفرح من الله إذا كان التعامل معها بإخلاص وحسن منهج ، قال ربنا جل جلاله : (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً)

الوضع في سوريا يحتاج إلى الحاح على الله بالدعاء (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ، وفي صحيح مسلم ( لما كان يوم بدر ، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا . فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة . ثم مد يديه فجعل يهتف بربه ( اللهم ! أنجز لي ما وعدتني . اللهم ! آت ما وعدتني . اللهم ! إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) فما زال يهتف بربه ، مادا يديه ، مستقبل القبلة ، حتى سقط رداؤه عن منكبيه . فأتاه أبو بكر . فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه . ثم التزمه من ورائه . وقال : يا نبي الله ! كفاك مناشدتك ربك . فإنه سينجز لك ما وعدك . فأنزل الله عز وجل : { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } [ 8 / الأنفال / 9 ] فأمده الله بالملائكة )

ولنكن على ثقة ربنا ففي سورة البروج وبعد أن بين الله تعالى طرفاً من قصة أصحاب الأخدود ، وهو قوم مظلومون عذبوا وحرقوا ، قال ربنا القوي العظيم : (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) .

اللهم أنت الغفور الودود ، ذو العرش المجيد ، أنت سبحانك فعال لما يريد ، تقول للشيء كن فيكون ، اللهم الطف بحال اخواننا المستضعفين في سورياً..... .