بحث عن بحث

الأعمال المنقذة بسبب الإخلاص:

وفي هذا الحديث يقدم الرهط الثلاثة: ثلاثة أعمال كانت خالصة لله تعالى، أنقذتهم في ساعة العسرة وأفرجت الصخرة عن الغار الذي آواهم، وهي:

أولاً: بر الوالدين:

وهو من الأعمال الصالحة التي أمر الله عباده بها، ورفع من شأن صاحبها، حيث جاء الأمر الإلهي باقتران هذا العمل بتوحيده سبحانه وتعالى بالعبودية، قائلاً: {وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}(1). وأيضًا قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}(2).

وبالمقابل جاء التحذير والوعيد لمن لم يحسن إلى والديه، بل وصل الأمر بهذا التحذير إلى أن إظهار أي علامة أو تلميح يدل على التضجر منهما يدخل في دائرة الإساءة لهما، لقوله تبارك وتعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}(3).

فضلاً عن الأحاديث الكثيرة التي وردت بهذا الشأن، فقد سئل النبي ﷺ: «أي العمل أحب إلى الله: قال الصلاة على وقتها قال ثم أي قال ثم بر الوالدين قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» (4).

وقد تقرب أحد هؤلاء الرهط إلى الله تعالى ببره إلى والديه وذكر موقفًا من مواقفه الكثيرة مع والديه، والذي كان فيه من المخلصين مع الله تعالى، والله أعلم بإخلاصه، من أجل ذلك أفرج الله تعالى بإزاحة جزء من الصخرة عن غارهم.

ثانيًا: ترك الزنا:

الزنا من الكبائر التي نهى الله عنها في كتابه المبين، وعدّها من الفواحش الكبيرة التي تفسد الناس وتفسد المجتمعات، لما له من آثار على أخلاقيات الأمة ومقوماتها واختلاط أنسابها والآثار السلبية المتنامية التي لا تنتهي من جرّائها، فضلاً عن العقوبة الربانية المترتبة عليها في الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}(5).

وجاءت السنة النبوية لتؤكد عظم فعل الفاحشة وعقوبته، وكذلك الأجر المترتب على تركه واجتنابه، يقول عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ... ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله..» (6).

فكان العمل الثاني الذي تقرب به أحد الرهط الثلاثة إلى الله تعالى، هو الامتناع عن فعل الزنا، بعد أن تهيأت له أسبابه، وسهل عليه الوقوع فيه، ولكن لم يمنعه من ذلك إلا خوف الله تعالى، واستشعاره بمراقبته له، وكان مخلصًا في تلك الوقفة مع الله تعالى، فأزاح الله تعالى بسبب ذلك الإخلاص جزءًا آخر من الصخرة عن باب الغار.

ثالثًا: إعطاء حقوق الأجير:

قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعط أجره» (7). وقال في حديث آخر: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (8).

وهذا يعني أن أكل مال العامل أو الخادم أو الأجير يعد من الأفعال المذمومة التي نهى عنها الرسول عليه الصلاة والسلام، وتوعد من يفعل ذلك بالخصومة والجفاء يوم القيامة، وهذا يدل على أنه سيحاسب حسابًا عسيرًا أمام الله تعالى وسيخاصمه النبي ﷺ؛ لانتزاع حقوق الناس منه إما بإلقاء سيئاتهم عليه، أو أخذ حسناته لهم.

ولأهمية هذا الحق وعلو شأنه عند الله تعالى، تقرّب الأخير من الرهط الثلاثة إلى الله تعالى، بورعه وخوفه من الاقتراب من المال الحرام الذي كان تحت يده وهو لأجير، بل لم يكتف أنه حفظ هذا المال وقام برده إلى صاحبه، بل قام باستثماره حتى ازداد أضعافًا مضاعفة، فذكر هذا الفعل لربه وهو في ذلك الموقف العصيب مع أخويه الآخرَين، حيث لم يدفعه هذا الورع وهذا الفعل إلا خوفه وخشيته من ربه ومحاسبته، والله أعلم به من ذلك، فأزاح الله تعالى عنهم الصخرة كاملة، فخرجوا جميعًا من ظلمة الغار إلى نور الدنيا وسعتها.

لقد قدّم كل نفر من هؤلاء الرهط عملاً واحدًا من الأعمال الصالحة التي كانت خالصة لله تعالى، وهي لا تعبر عن جميع الأعمال الصالحة، فالعمل الصالح الذي يدفعه الإخلاص، لا يتمثل في مجموعة محددة من الأعمال والأقوال، وإنما هو كل عمل أو قول يُبتغى به وجه الله تعالى، صغيرًا كان أو كبيرًا.
------------------------------------
(1) النساء [36].
(2) الإسراء [23].
(3) الإسراء [23-24].

(4) أخرجه البخاري (ص89-90، رقم 527) كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها. ومسلم (ص52، رقم 85) كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله أفضل الأعمال.
(5) الإسراء [32].
(6) أخرجه البخاري (ص230، رقم 1423) كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين. ومسلم (ص415، رقم 1031) كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بالقليل.
(7) أخرجه البخاري (ص361-362، رقم 2270) كتاب الإجارة، باب الإجارة إلى صلاة العصر.
(8)
أخرجه ابن ماجه (ص350، رقم 2443) كتاب الرهون، باب أجر الأجراء.