بحث عن بحث

2 – محبة الرسول ﷺ:

إن محبة الرسول ﷺ من المحاب الواجبة التابعة لمحبة الله تعالى، لقوله جل ثناؤه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّـهُ

غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(1) .

وبهذا فإن هذه المحبة من مقتضيات الإيمان، فلا معنى لإيمان العبد من غير هذه المحبة، كما قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده

وولده والناس أجمعين» (2). وفي حديث آخر رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب

إليه من والده وولده» (3).

فتدل هذه الأحاديث دلالة صريحة على وجوب محبة الرسول ﷺ وأنها من مستلزمات الإيمان.

وقد جاءت الأدلة من كتاب الله تعالى على وجوب هذه المحبة وتفضيلها على المحاب الدنيوية الأخرى، كما في قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ

وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ

اللَّـهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}(4) .

فمن فضّل محبة هذه الأشياء المذكورة في الآية على محبة الله ورسوله ﷺ فإن الله تعالى توعّده بأمرين: تربص العذاب والعقاب، وكذلك تصنيفهم من الفاسقين.

كما يقول تبارك وتعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}(5) .

وهذا يعني أن الرسول ﷺ يجب أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه، وقد بيّن ابن القيم رحمه الله من خلال هذه الآية أنه من لم يكن الرسول عليه الصلاة

والسلام أحب إليه من نفسه فقد عرض نفسه للوعيد الشديد، موضحًا في هذه الأولوية أمرين مهمين:

1- «أن يكون – الرسول ﷺ – أحب إلى العبد من نفسه، لأن الأولوية أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه من غيره ومع هذا يجب أن يكون الرسول

أولى به منها، وأحب إليه منها، فبذلك يحصل له اسم الإيمان.

ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لأمره وإيثاره على ما سواه.

2- ألا يكون للعبد حكم على نفسه أصلاً، بل الحكم على نفسه للرسول ﷺ يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده، فليس له

في نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها» (6).
------------------------------
( 1)  آل عمران، الآية 31.

( 2) أخرجه البخاري (ص6، رقم 15) كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان. ومسلم (ص41، رقم 44) كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله أكثر من الأهل.

( 3) أخرجه البخاري (ص6، رقم 14) كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله أكثر من الأهل.

(4 )  التوبة، الآية 24.

( 5)  الأحزاب، الآية 6.

( 6) الرسالة التبوكية، لابن القيم. مراجعة الشيخ عبدالظاهر أبي السمح، ط1، المطبعة السلفية، مكة المكرمة، 1347هـ، ص 21-22.