بحث عن بحث

الرجاء

سبق معنا في مبحث شعيرة الخوف أن الخوف والرجاء شعيرتان متقابلتان، يجب أن يسير معهما العبد مثل مسيرة الطائر حال طيرانه بجناحين لا يغني أحدهما عن الآخر، وقد سبق الحديث عن الخوف، وندخل في الرجاء مستفتحين بما رواه الإمام الترمذي رحمه الله بسنده – وهو من أعظم أحاديث الرجاء-:

عن أنس بن مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ:»قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَة«(1).

مفهوم الرجاء:

في اللغة: رَجاه رَجْوًا، ورُجُوًا، ورَجاءً، ورَجاةً، ورَجاءَةً، ورَجاوَةً، ومَرْجاةً: أمَّله. فهو راج، والشيءُ مَرْجُوٌّ. وهي مَرْجوَّةٌ. وفي التنزيل: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}(2)(3).

في الاصطلاح:

هو العمل في الحياة بالمنهج الذي رسمه الشرع، والطمع في قبوله عند الله تعالى وما يترتب عليه من الجزاء الأخروي.

وهذا يعني أن الرجاء يستند إلى ركنين أساسيين: الأول: العمل، والثاني: الطمع في تحقق المطلوب.

مثل المريض حين يراجع الطبيب طلبًا للشفاء والمعافاة. وكذلك المؤمن الذي يقوم بمقتضيات توحيد الله تعالى ويعمل صالحًا لينال النجاة والجنة في الآخرة.

*     *     *

علاقة الرجاء بالخوف:

لا يستقيم عمل الإنسان، ولا تستقر نفسه في الحياة إلا إذا عمل ضمن مجال الرجاء والخوف معًا، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، فهما خطان متوازيان في حياة الإنسان، إذا أخذ الإنسان بأحدهما دون الآخر فإنه يضلّ عن سواء السبيل، ويهتز استقراره النفسي، لأن الإنسان حينما يترك جانب الخوف من الله تعالى ومن عذابه، ويبرر كل أعماله وسلوكياته المنحرفة برحمة الله وعفوه، بأنه الرحمن الرحيم، يتجاوز عن عباده بتلك الرحمة، فإن هذا التصور وما تنطوي عليه من المعاصي والمنكرات، يجعل حياة صاحبه ضربًا من التخبط واللاوعي مع دين الله تعالى، وإلا فلماذا أرسل الله نبيه ﷺ بهذا الدين، أليس من أجل التعبد به والسير على ما شرعه من أمر ونهي؟

وكذلك الحال بالنسبة للإنسان الذي ينتهج مسلك الخوف من الله تعالى وحده في وجوده في الحياة، فإنه أيضًا يضطرب ويصيبه الهلع الدائم من نتائج أعماله في الحياة ويتصور عذاب الله لاحق به لا محاله من جراء ما يقع فيه من الخطايا وما يقترف من منكرات، دون أن يضع في الحسبان رحمة الله وعفوه وغفرانه وتجاوزه عن عباده المؤمنين، وبهذا فإنه يضع نفسه في زاوية ضيقة ومظلمة لا يرى فيها سعادة ولا راحة سوى القلق والخوف.

أما التصور الإسلامي الصحيح نحو الرجاء والخوف، هو تلازم هذين الجانبين في حياة الإنسان، لأن الله تعالى الذي وصف نفسه بأنه شديد العقاب على الكافرين وعلى العصاة المنغمسين في محاربة دينه وأوليائه، فإنه في الوقت نفسه رؤوف رحيم بعباده المؤمنين الذين يؤدون ما فُرض عليهم من الواجبات، وينتهون عما نُهوا عنه من المعاصي والموبقات، وهو ما عبّر عنه الله تعالى بقوله: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}(4).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الترمذي (ص806-807، رقم 3540) كتاب الدعوات، باب الحديث القدسي: إنك ما دعوتني. وأحمد (5/ 167، رقم 21510). وحسنه الألباني.

(2) [نوح: 13]

(3) المعجم الوسيط 1/ 333 مادة (رَجَاهُ).

(4) [السجدة: 16]