بحث عن بحث

آثار الرجاء المحمود (2-2)

1-قوة العقل والجسم:

الرجاء يعطي فاعلية في قوة العقل للإبداع والابتكار، لأن صاحبه معافى من الخمول الفكري واضطرابه الناجم عن الخوف على النفس وعلى المصالح والأموال والتجارة والمنصب والوظيفة  وغيرها من متاع الدنيا، وكذلك فإن هذا الرجاء يجعل صاحبه في حالة نشاط وحركة مستمرة، ربما يسعى أن يقطع آلاف الأميال ويتغرب عن أهله وذويه، ويقضي في ذلك جلّ عمره في سبيل أن يؤدي عملاً يرضي به خالقه، أو ينفع به مجتمعه وأمته، كما كان السلف الصالح من هذه الأمة، فقد انطلقت جيوش المسلمين ودعاتهم من الجزيرة العربية إلى الشرق والغرب لنشر هذا الدين وتبليغه إلى الناس، إلى وصلوا أقاصي الأرض، وهم لا يملكون إلا وسائل النقل البدائية من الخيول أو الجمال، لم يدفعهم إلى ذلك إلا رضا الله تعالى والطمع فيما عنده.

وكذلك المتأمل في حال علماء الأمة سيجد العجب من جلدهم وصبرهم في سبيل الحصول على خبر أو حديث عن النبي ﷺ، أمثال أئمة الحديث المعروفين، البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم، جابوا الأرض وقطعوا السهول والهضاب، وتعرضوا للخطوب والصعاب، من أجل أن يقدموا للأمة كنوز السنة النبوية، لينهل منها المسلمون إلى قيام الساعة، ويأخذوا منها أحكامهم وتشريعاتهم ويتطلعوا من خلالها إلى سيرة نبيهم ﷺ، ولم يدفع هؤلاء الجهابذة إلى هذا العمل العظيم إلا أملهم ورجاؤهم في رضى خالقهم والقرب منه يوم القيامة.

2-الطموح الدائم نحو الخير:

وهذا الأثر يتحقق في كل عمل صالح يقوم به المسلم، سواء كانت العبادات المفروضة أو الأعمال الاعتيادية اليومية، لأنه حينما يقوم بأي عمل فإنه يرجو الله تعالى قبوله والثواب عليه، وهذا الشعور يجعله يسعى إلى ما بعد ذلك من الأعمال، وهكذا، كأن يصلي إحدى الصلوات ويرجو قبولها فينتظر التي تليها ليلقى معها ذلك القبول، وكذلك الحال مع جميع الأعمال والسلوكيات الأخرى التي يقوم بها في حياته، حتى وإن كان على فراش الموت، يقول عليه الصلاة والسلام: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليفعل«(1).

وهذه حال المؤمنين الصادقين الذين جاء وصفهم في كتاب الله تعالى بالخيرية: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}(2).

3-الراحة الطمأنينة وعدم القلق:

الرجاء عامل مهم في بناء النفس واستقراره، لأنه يُربط صاحبه بالله تعالى في السراء والضراء، وفي السر والعلن، ومن كان هذا شأنه فإن الطمأنينة النفسية والراحة والسكينة ستنزل عليه من كل جانب، فلا يخاف من أي تهديد بشري مهما أوتي من قوة، لأنه يحس حماية الله تعالى له وأنه ناصره لا محال، وقد بيّن رسول الله ﷺ هذه الحقيقة لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه في غار ثور، حينما وقف المشركون على باب الغار «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما«(3).

والرجاء بصورة عامة يهيأ المسلم نفسيًا لمواجهة الحياة بمصاعبها وأخطارها، لأن النفس هي نقطة الانطلاق لكل شيء، فالإنسان الذي تحتضنه نفس سوية ومستقرة هو الإنسان الصالح في الحياة، يسعى لإعمار الكون بكل قوة ونشاط، أما الذي تحتويه نفس مليئة بالوساوس والأمراض فإنه أفشل كائن في الحياة، يسعى لخرابها ودمارها من كل جانب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه أحمد (3/191، رقم 13012). والطيالسي (1/275، رقم 2068). وهو حديث صحيح

(2) [آل عمران: 110]

(3) أخرجه البخاري (ص613، رقم 3653) كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب المهاجرين وفضلهم. ومسلم (ص1049، رقم 2381) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر