بحث عن بحث

أنواع الصبر

أولاً: الصبر على الطاعة:

رغم أن الإنسان حين يؤدي أية عبادة يشعر براحة نفسية، وشراحة في الصدر، إلا أن كثيرًا من هذه العبادات تحمل في بعض الأحيان أنواعًا من التعب والنصب والمشقة، مثل الالتزام بالصلاة ومواقيتها في اليوم والليلة خمس مرات أبد العمر، وكذلك إخراج زكاة الأموال التي جبل الإنسان على حبها، وأداء نسك الحج الذي فيه من التعب البدني ما لا يغفل عنه أحد، وغيرها من العبادات، كل هذه الأمور بحاجة إلى تعويد النفس على الصبر عليها، يقول تبارك وتعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}(1).

ثم إن هذه العبادات تحمل معنيَيْن كبيرين، أولها أنها أمر من الرحمن الرحيم الذي هو أرحم بالبشر من أنفسهم، والذي لا يكلفهم ما لا يطيقون، ولا بد أن يُنفذ هذا الأمر ويُطاع الخالق، وهذا نوع من العبودية له جل ثناؤه، والثاني أن في أداء هذه الطاعات لونًا من الاختبار والامتحان للإنسان ومدى صبره عليها،  لقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}(2).

فلا بد أن يتقوى الإنسان على أداء هذه العبادات بالصبر الذي أمره الله به، يقول تعالى: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}(3). لأن الجزع يثبط الإنسان عن أداء العبادات؛ بل إنه يأمره في كثير من الأحيان بالمعاصي والخطايا.

وقد كان رسول الأمة عليه الصلاة والسلام القدوة الأولى في الصبر، كان يعبد الله تعالى حتى تتورم قدماه ويصبر على ذلك، فقد ثبت في الصحيحين أنه قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا«(4).

ويقول الرسول الكريم ﷺ: «المجاهد من جاهد نفسه في الله«(5).

وقد حرص الرسول عليه الصلاة والسلام على غرس خُلق الصبر على الطاعات في نفوس الصغار حين خاطب أولياء أمورهم: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر سنين وفرّقوا بينهم في المضاجع«(6).

والإنسان الذي يتربى على خُلق الصبر في الطاعة سيجد عند الكبر لذة هذه الطاعة، بل إنه سيقبل عليها بشغف وقوة وهذا كان شأن الصحابة وسلف هذه الأمة رضي الله عنهم أجمعين.

وهذا النوع من الصبر هو أفضل الأنواع، لأنه قيام بالتكاليف بالاختيار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [البقرة: 45]

(2) [الملك:2]

(3) [يونس: 109]

(4) أخرجه البخاري (ص586، رقم 3648) كتاب التفسير، باب ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك. ومسلم (ص1227، رقم 2819) كتاب صفات المافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.

(5) أخرجه الترمذي (ص392، رقم 1621) كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا. وأحمد (6/ 20، رقم 23997). وابن حبان في صحيحه (10/484، رقم 4624). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

(6) أخرجه أحمد (2/187، رقم 6756). والدارقطني في السنن (1/430، رقم 887) وهو حديث حسن.