بحث عن بحث

التفاؤل والعمل

ولعلنا نعرج قبل النهاية إلى بيان أن التفاؤل ليس نظرة سلبية مقعدة عن العمل، بل يكون مع العمل والجدّ فيه ومتابعته وعدم التقصير فيه، فالرسول ﷺ – في جميع ما أصابه – لم يتوقف عن العمل لحظة من اللحظات فيما كلفه الله تعالى به، بل عمل وواصل العمل، وجدّ واجتهد حتى نصره الله تعالى، ولذا فعلى المسلم ألا يقعد ويتكاسل، ويرقد ويقول بعد ذلك أنني متفائل، فالحيوانات تعمل، وتحصل على النتيجة، فالطير تغدو خماصًا – يعني جياعًا – وتروح بطانًا كما أخبر النبي ﷺ، فالإنسان أولى.

ومن هنا فالمتفائل الحق هو العامل بحق:

فالطالب عليه المذاكرة، ومن ثم يتفاءل بالنجاح.

والتاجر يبيع ويشتري، ومن ثم يتفاءل بالمربح.

والمريض يتداوى ويتوكل على الله، ومن ثمّ يأمل الشفاء.

والمصاب يتوكل على الله ويسترجع ولا يتسخط، ومن ثمّ تنزل عليه السكينة.

والوالد يعمل بأسباب التربية، ويأمل صلاح ذريته.

والمسؤول يعمل بأسباب نجاح عمله، ويأمل بالوصول إلى نتائجه المرجوة، وهكذا.

*     *     *

وأخيرًا:

فإن التفاؤل محبوب ومطلوب، والتشاؤم مذموم وممنوع، ولكل منهما آثاره على حياة صاحبه، فلا فشل ولا خيبة ولا خسران مع التفاؤل، ولا نجاح ولا تفوق ولا نجاة مع التشاؤم واليأس، وكلما اقترب الإنسان من ربّه وقدّم بين يديه الأعمال الصالحة من قراءة للقرآن وذكر ودعاء وإنفاق في سبيل الله وقضاء حوائج الناس والسهر على مصالح المسلمين كلما زاده الله تعالى تفاؤلاً ونجاحًا وأغدق عليه من النعم ما لا يُحصى، وكلما ابتعد الإنسان عن ربّه، وغفل عن ذكره، وأهمل فرائضه، كلما تمكّن الشيطان من نفسه وجعلها أسيرة لهمزاته ووساوسه، فيصيبه التشاؤم واليأس من رحمة الله تعالى، فلا يرى الدنيا بالمنظار الحقيقي حيث الرياض والرياحين في أرجائها، والحب والخير يسود بين أبنائها، ورحمة الله تعالى قريبة منها في وقت وآن، وإنما يرى هذه الدنيا عكس ذلك، مصائب ومآس، وحقد وكراهية، وشتات وتمزق، وفوق كل ذلك عذاب من الله محدق بهم في كل لحظة.