بحث عن بحث

الرضا بالقضاء

روى الإمام أبو داود رحمه الله في سننه قال:

حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ الْهُذَلِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ رَبَاحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لابنه يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك،َ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُب؟ُ قَال:َ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي»(1).

قضاء الله وقدره نافذ في هذه الحياة، وقد قدّرت الأشياء وحصولها قبل خلق السموات والأرض، والإيمان بذلك والرضى به والعمل وفق هذا الإيمان من أركان الإيمان، وأصول السعادة في الدنيا والآخرة، ونبدأ بالتعريفات.

مفهوم القضاء والقدر:

القضاء في اللغة:

قضى:  قَضْيًا، وقضاءً، وقضيَّةً: حكم وفصل. ويقال قضى بين الخصمين، وقضى عليه، وقضى له، وقضى بكذا(2).

هذا وقد جاء (قضى) ومشتقاتها في اللغة بمعان أخرى، كما في الآيات القرآنية الآتية:

1-بمعنى الأمر: في قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}(3).

2-بمعنى الأداء: في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}(4).

3-بمعنى الموت: في قوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}(5).

وبذلك يمكن تحديد مفهوم القضاء في اللغة: بأنه إحكام الشيء وإتمام الأمر، وهذا هو أصل معنى القضاء، وإليه ترجع جميع معاني القضاء الواردة في اللغة(6).

القَدَرُ في اللغة:

قدر: «القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته وهو بتسكين الدال وفتحها مع فتح القاف«(7).

وقد ورد في القرآن الكريم معنى القدر أو مشتقاته، فقد جاء بمعنى التضييق كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}(8).

وجاء بمعنى الطاقة كما في قوله تعالى: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}(9).

كما يأتي بمعنى التقدير والقياس كما جاء في قول النبي ﷺ في رؤية الهلال: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له«(10).

فهناك توافق وتقارب بين معنى القضاء والقدر في اللغة.

القضاء والقدر في الشرع:

أما في الاصطلاح فإن القضاء والقدر هو: «تقدير الله الأشياء في القدم، وعلمه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها وخلقه لها«(11).

منزلته من الدين:

هو ركن من أركان الإيمان حيث لا يكتمل الإيمان إلا به لقول النبي ﷺ في حديث جبريل عليه السلام حين سئل عن الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره«(12).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه أبو داود (ص664، رقم 4700) كتاب السنة، باب في القدر. والبيهقي في سننه الكبرى (10/104، رقم 214) كتاب الشهادات، باب شهادة أهل الأهواء. والطبراني في مسند الشاميين (1/58، رقم 59). حديث صحيح.

(2) المعجم الوسيط، مادة (قضى)، ص742.

(3) [الإسراء: 23]

(4) [البقرة: 200]

(5) [القصص: 15]

(6) مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص422.

(7) الصحاح للجوهري 2/ 786، معجم مقاييس اللغة 5/ 62.

(8) [الفجر: 16]

(9) [البقرة: 236]

(10) أخرجه البخاري (ص306، رقم 1906) كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: إذا رأيتم الهلال. ومسلم (ص439، رقم 1080) كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان برؤية الهلال.

(11) العقيدة الواسطية لابن تيمية 21.

(12) أخرجه مسلم (ص24-2، رقم 93) كتاب الإيمان، باب الإيمان بالإسلام والإحسان.