بحث عن بحث

كيف تتحقق عبودية الضرّاء

بناء على ما سبق من أنواع الضرّاء، يمكن تطبيق العبودية فيها وفق الآتي:

1- في حال المرض:

لقد أمر الشرع المريض بالصبر والرضى بحكم الله تعالى، وأن يجعل نبي الله أيوب عليه السلام قدوة له في محنة المرض، وكيف أنه رضي أمر الله تعالى ولم يستسلم لليأس والقنوط من رحمته ونزول الشفاء عليه، حتى قال فيه الله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ}(1).

ثم يحتسب العبد في مرضه، لأنه بذلك يقترب من الله تعالى أكثر ويبتعد عن وساوس الشياطين وهمزاتهم، وهو المدخل إلى الشفاء والتعافي من المرض، يقول عليه الصلاة والسلام: «إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين، فيقول: انظرا ما يقوله لعوّاده، فإن هو حمد الله تعالى إذا دخلوا عليه، رفعا ذلك إلى الله تعالى وهو أعلم. فيقول: لعبدي إن أنا توفيته أن أدخله الجنة، وإن أنا شفيته أن أبدله لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، وأن أكفِّر عنه خطاياه«(2).

ولكي يتجنب المريض الوقوع في المحظورات الشرعية أثناء مرضه فعليه بعض الأمور التي لا بد من تصورها لتحقيق عبودية السراء، ومن أهمها:

أ – اليقين بأن المرض قدر من الله ولا بد من القبول والرضى بهذا القدر.

ب – اليقين بالأجر العظيم المرتب على الصبر إزاء الأمراض.

ج – اليقين بأن الله تعالى هو الشافي، وأن كل ما يأخذه من العقاقير والعلاجات إنما هي أسباب يجب تناولها ما دامت غير محرمة.

د – حسن الظن بالله تعالى، والتفاؤل بالشفاء والمعافاة دائمًا.

هـ- الإكثار من ذكر الله تعالى، من الدعاء وقراءة القرآن، والمحافظة على العبادات والفروض.

و – الإكثار من الإنفاق في وجوه الخير المختلفة، لأنها سبب من أسباب الشفاء.

2- في حال الفقر:

وتتحقق العبودية لله تعالى في حالة الفقر من خلال الأمور الآتية:

أ – الصبر على الفقر وقبول أمر الله تعالى، وعدم قطع الأمل في الله تعالى في أن يزيد له في رزقه ويوسع في عيشه.

ب – العمل والسعي من أجل طلب الرزق بالطرق المشروعة، وعدم التكاسل أو الاعتماد على الغير، أو اتباع الطرق المحرمة من أجل الكسب والحصول على المال.

ج – الابتعاد عن التسوّل وعدم إظهار معالم الفقر، لأن الغنى الحقيقي في النفس وليس في العَرض.

3- الفشل في الدراسة:

أما كيف يحوّر العبد هذا الابتلاء إلى عبادة؟ فإن عليه أن يتجه نحو طريق آخر في الحياة، ويعمل في مجال آخر غير المجال العلمي، فهناك التجارة والزراعة والصناعة وغيرها من الأعمال والحرف التي يمكن أن يحقق من خلالها طموحات كبيرة كالرزق الواسع والعيش الرغيد، بحيث يعمل وفق الضوابط الشرعية ضمن حدود الحلال والحرام.

والمتأمل في أحوال الناس سيجد أن كثيرًا من الأغنياء والأثرياء من أصحاب المعروف والمشاريع الخيرية ليس لديهم شهادات علمية، أو أن تحصيلهم العلمي محدود، ولكنهم أفادوا الأمة بأعمالهم الخيرية والدعوية.

4- عدم التوفيق في الزواج:

إن التعبد عبر هذه المصيبة، تكون بالصبر والحلم واتباع الحكمة في جميع الأحوال، وعدم الخوض في الجدال والنقاش الذي يؤدي إلى مزيد من الانفعالات والمشكلات، وغض النظر عما يكره كل منهما من الآخر، امتثالاً لقول النبي ﷺ: «إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر«(3).

5- عدم الإنجاب:

ويكون التعبد مع هذا الابتلاء بالاحتساب والصبر وقبول أمر الله الذي يهب لمن يشاء من الذكور أو الإناث، ويحرم الآخرين حرمانًا مطلقًا، وقد ابتلي رسول الأمة عليه الصلاة والسلام بالحرمان من الذكور، بل إن محنته كانت أشد حيث يوهب له الأولاد ثم يموتون في مقتبل أعمارهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [ص: 44]

(2) أخرجه مالك في الموطأ (2/940، رقم 1682) كتاب العين، باب ما جاء في أجر المريض. والبيهقي في الكبرى (3/315، رقم 6786). والحاكم في المستدرك (1/348، رقم 1290). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

(3) أخرجه مسلم (ص626، رقم 1467) كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء.