بحث عن بحث

آثار الإنفاق على النفس والمجتمع

سادسًا: الإنفاق يجلب محبة الله ومحبة رسوله ﷺ:

لأن المنفق استخلف على مال الله في الأرض فقام بواجب الإنفاق بالصورة التي يريدها الله وفي الأوجه التي ذكرها الله، فكان ذلك من أسباب محبته جل وعلا له، يقول تبارك وتعالى:{يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(1)، وقد بيّن عليه الصلاة والسلام هذا الأمر حين تكلّم عن الأشعريين في الحديث الذي رواه أبو موسى رضي الله عنه فقال: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم«(2).

وهي عبارة صريحة وواضحة على محبة النبي ﷺ لهم، ومن شدة حبّه عليه الصلاة والسلام لفعلهم وإعجابه بهم، جعلهم من أتباعه وأهل سنته، كما جعل نفسه واحدًا منهم.

سابعًا: الإنفاق مداواة للمرضى:

وإن من أسرار الإنفاق في سبيل الله أيضًا أنه دواء لكثير من الأمراض وسبب للشفاء والمعافاة منها، وقد ذكر عليه الصلاة والسلام ذلك وحثّ الأمة عليه فقال: «حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة«(3).

ووجود هذه الوصفة في الإنفاق يدفع الناس إلى الإكثار من النفقات والإقبال على الصدقات والتبرعات، فتتحقق بذلك مصلحتان، الأولى سد حاجات الناس والإقلال من مظاهر الفقر والعوز، والأخرى قلة الأمراض والأوبئة في المجتمع وسلامته من البلاء والكوارث.

وتأتي علة الشفاء في الإنفاق والصدقة أحيانًا من دعاء الضعفاء والمساكين للمحسن إليهم، بأن يقضي الله حاجتهم ويشفي مريضهم ويفرج كربهم وغيره من الدعاء، فيستجيب الله لهم فيشفى المرضى وتُدفع البلاء والنقم.

والشواهد على هذه الحقيقة كثيرة، فكم من المرضى وأصحاب البلاء تعافوا من ابتلائهم بفضل الإنفاق والصدقة، بعد أن عجز الأطباء عن فعل شيء لهم، أو التخفيف من وطأة المرض عليهم، فلجأوا إلى الصدقة والنفقة بإخلاص، فشفاهم الله وأذهب ما بهم من البلاء.

ثامنًا: الإنفاق يحدّ من الجريمة:

إن من أهم أسباب الجريمة في أي مجتمع هو العوز المالي والفقر والحاجة التي تؤدي في النهاية إلى تراكم الأحقاد والضغائن في نفوس الفقراء على أصحاب الأموال، الأمر الذي يدفعهم إلى الجرائم المختلفة كالقتل أو السرقة أو السطو، وبالتالي يفقد المجتمع أمنه واستقراره.

وبما أن هذه الأسباب تنتفي في المجتمع المنفق، فإن عوامل حدوث الجرائم وظهورها تكون غير موجودة أو نادرة، فينعم الناس بالأمن والاستقرار داخل هذا المجتمع، ويأمنون على أنفسهم وأموالهم من الجرائم والسرقات، يقول الله تعالى:{الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(4).

هذا وتظهر أحيانًا الجرائم الأخلاقية نتيجة العوز المالي والفاقة، كما هي الحال في جريمة الزنا، لأن كثيرًا من الشباب لا يجدون نفقات الزواج وتكاليفه، ولا يجدون من يعينهم عليها فيلجأون إلى الزنا ويقعون في الجرائم الأخلاقية.

أما المجتمع المنفق الذي يقوم على أساس التكافل الاجتماعي يقل فيه مثل هذه الجرائم لانتفاء أسبابه، لأن الناس في ظل الزكاة والصدقات والإعانات الأخرى يتمكنون من الزواج الشرعي الذي يحصّنهم من الانحراف والفساد.

تاسعًا: المجتمع المنفق خال من الحسد والبغضاء:

كما تتزكى نفس المنفق في سبيل الله، وتتطهر أمواله بذلك، فإن نفوس سائر أبناء المجتمع تصفى وتتطهر من الحسد والضغائن في ظل عملية الإنفاق التي يعم خيرها الجميع، لأن القوي يرحم الضعيف، والغني يعطف على المسكين والفقير، والميسر ينفق على المعسر ويسد حوائجه، فلا يبقى سبب لظهور الحسد أو البغضاء بين أفراد المجتمع، بل إن هذا الجو التكافلي يولّد فيهم الحسد المحمود الذي استثناه الرسول ﷺ وميّزه عن الحسد المذموم فقال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل أعطاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أعطاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها«(5).

فكل واحد من أبناء هذا المجتمع يريد أن يكون لديه من الأموال والأملاك لينفقها في وجوه الخير وقضاء حوائج الناس، ولا شك أن هذا التصور الإيجابي يدل على سلامة النفس من الكراهية والحقد نحو الآخرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [آل عمران: 134]

(2) أخرجه البخاري (ص402، رقم 2486) كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام والنهد والعروض. ومسلم (ص1100، رقم 2500) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل الأشعريين.

(3) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (3/382، رقم 6832). وهو حسن لغيره.

(4) [البقرة: 274]

(5) أخرجه البخاري (ص17، رقم 73) كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة. ومسلم (ص328، رقم 815) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه.