بحث عن بحث

آثار الإنفاق على النفس والمجتمع

عاشرًا: الإنفاق يحدّ من الفقر:

إذا كان الناس قائمين على أمر الله تعالى في إخراج حب المال من النفوس والقيام بأداء فريضة الزكاة، والإكثار من الصدقات وتفريج الكربات المالية عن إخوانهم، لكانت حال المجتمع المسلم على أفضل حال، لأن ذلك يقضي على أهم أسباب المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.

وحين يقصّر المؤمن في هذا الجانب ويهمل هذه الفريضة، ويتهرب منها عن طريق التحايل والخداع، فإن وباء الفقر يستشري في المجتمع ويأكل منه كل جانب، وهذه حال معظم المجتمعات المسلمة اليوم، فحين يُنظر إلى تلك الأرصدة الضخمة والأرقام الخيالية لبعض الأفراد، يطرح السؤال نفسه، أين تذهب زكواتها؟!، التي يمكن أن تساهم في بناء الأمة وتقوية أركانها وحلّ جميع المشكلات الناجمة عن العوز المالي، من بناء المؤسسات العلمية، ودعم التعليم وطلبة العلم، وتشغيل أبناء الأمة وإيجاد الوظائف والأعمال المناسبة لهم، وتزويج الشباب، وتأمين السكنى لمن لا يملكونها، وغيرها من الأعمال الخيرية التي تساهم في إغناء الناس ومنعهم من السؤال واتباع طرق الضلال والفساد.

وهذا التقصير والإهمال واللامبالاة يرجع لضعف الإيمان أحيانًا، ثم لبعض الوساوس الشيطانية التي تتحكم في النفس وتمنعها من الخير، كالخوف من المستقبل المجهول، أو الخوف من الوقوع في دوامة الفقر، أو التنافس الخبيث بين أصحاب رؤوس الأموال واستعلاء بعضهم على بعض، وكلها مما يزيّنه الشيطان في النفس، مع العلم أن الله تعالى تكفّل لعباده بالرزق، ووعد المنفق بالزيادة والبركة، يقول تبارك وتعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(1).

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لبلال رضي الله عنه: «أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً«(2).

فكيف يخاف الفقر من ينفق في سبيل الله، والمال وصاحبه والكون كله ملك لله تعالى؟

إن التصور الصحيح عن حقيقة المال ودوره في الحياة، والقيام بواجب الإنفاق في الوجوه الخيرية وبالسبل المشروعة، كفيل بأن يقضي على الفقر وإفرازاته السلبية، ويشهد التاريخ لهذه الحقيقة في العصور الإسلامية الزاهية، وأجلى هذه الصور تحققت في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، حيث يقول عمر بن أسيد رحمه الله: «والله ما مات عمر بن عبدالعزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح بماله كله، قد أغنى عمر الناس«(3).

حادي عشر: الإنفاق سبب لتطور المجتمع وتقدمه ونمائه:

لا يمكن لأي مجتمع يعاني من الفقر والفاقة أن يخطو إلى الأمام خطوات جادة، أو يواكب الحضارة وينافس الآخرين في ميادين الحياة المختلفة، لأن اهتمام الناس وتوجههم ينحصر دائمًا في السعي وراء الرزق وتأمين حوائج الحياة الضرورية، بخلاف المجتمع المتكافل اجتماعيًا واقتصاديًا، الذي يكثر فيه الإنفاق ويتنافس أبناؤه على الصدقات والتبرعات، فهذا المجتمع لديه مقومات النمو والتطور، لأنه يستند إلى أسس متينة وأركان شديدة من التعاون والرحمة والإيثار، كما أن الجانب المالي والسعي وراء الرزق لا يأخذ من وقته الكثير، وحينها يستطيع أفراده استغلال أوقاتهم في معالي الأمور، كالتحصيل العلمي والمعرفي، وتنمية المهارات، والإبداع في عمله وتخصصه، وغيرها من الأمور التي من شأنها دفع عجلة الحياة إلى الأمام.

وقد ضرب المجتمع الإسلامي الأول أروع الأمثلة في الإنفاق والعطاء وبذل الأموال في سبيل الله، وتحقَّق التكافل الاجتماعي في أسمى صوره في ذلك الجيل الخيّر، وأنزل الله فيهم آيات، فقال عنهم جل وعلا:{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(4).

فهذه التربية الربانية لهذا الجيل جعلتهم خير الناس، وجعلت عصرهم خير العصور، لأنهم ترجموا كلام الله تعالى وأمره إلى واقع وعمل، ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال النبي ﷺ: «من يضيف هذا الليلة؟» فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ. وفي رواية قال لامرأته هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيء، وإذا أرادوا العشاء فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين. فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال: «لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة«(5).

لقد أخرج الله من قلوب الصحابة حبّ المال والانهماك بجمعه وكنزه، فعرفوا أن الأصل في المال هو الانتفاع به فحسب، لذا كان يرى الكثيرون منهم رضي الله عنهم أن زيادة المال وفضله عبء ووبال عليهم، يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالاً. فقال رسول الله ﷺ: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له». فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل(6).

*     *     *

وفي الختام:

فإن المال مال الله، وهو وسيلة من الوسائل الكثيرة في الحياة التي تنظم شؤون الناس ومعاملاتهم وعلاقاتهم، وإن الإنسان مستخلف عن المال ومحاسب عليه يوم القيامة، حيث يُسأل عن مصدره وطرق كسبه، ثم يُسأل عن مصارفه ومواضعه التي صُرف فيها، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه«(7).

ومن هنا لا بد أن يراجع كل إنسان نفسه، وينظر فيما عنده من المال والمتاع، هل يقوم بالواجب المنوط به، أم أنه يجمع ويكنز ويبخل، فإن لكلا الحالتين عاقبة سيؤول الجميع إليها، إما الأجر والثواب وإما العذاب والعقاب، يقول تبارك وتعالى:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ .  وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}(8)، ويقول عليه الصلاة والسلام: «واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم«(9).

*     *     *

كما أن الإنفاق وقاية من الآفات النفسية كالحسد والحقد والضغينة، فحين ينفق العبد ويخرج من ماله الزكاة والصدقة، تنزل عليه السكينة والطمأنينة، وتتعافى من حب الدنيا والحسد فيها والحقد على الناس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [البقرة: 268]

(2) أخرجه الطبراني في الكبير (1/440، رقم 1013)، وفي الأوسط (6/127، رقم 2671). وهو حديث صحيح.

(3) تاريخ الخلفاء، ص 188.

(4) [الحشر: 9]

(5) أخرجه مسلم (ص917، رقم 2054) كتاب الأشربة، باب إكرام الضيف.

(6) أخرجه مسلم (ص767، رقم 1728) كتاب اللقطة، باب استحباب المواساة بفضول المال.

(7) سبق تخريجه

(8) [الليل: 5-10]

(9) أخرجه مسلم (ص1129، رقم 2578) كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم.