بحث عن بحث

عوامل حفظ القرآن الكريم

5- التحاكم إليه وتحكيمه في شؤون الحياة كلها، فهو الحَكَم العدل، المنزل من الحاكم العادل، وقد أمر الله تعالى عباده بذلك في قوله:{وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}(1)، وبالمقابل فإن رفض حكمه والتحاكم إلى غيره بأنه أفضل منه يعدّ كفرًا صريحًا، لقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(2).

ومن العبث العلمي، والانحراف الفكري، أن ينظر فئات من الناس إلى القرآن الكريم على أنه كتاب مقدس يقرؤه الإنسان في المآتم والمناسبات الدينية وليس له علاقة بواقع الناس ومشكلاتهم ومعاملاتهم، ومن ثم الدعوة إلى إدارة شؤون الحياة وفق أنظمة وضعية وبشرية، وهي دعوة أسلافهم في الماضي حين قالوا بفصل الدين عن الحياة، وكأن هذا الكتاب لا يصلح لهذا العصر!.

إن كتاب الله تعالى فيه أخبار الأولين والآخرين، وهو المنهج الذي يتوافق مع الفطرة الإنسانية السليمة ويتلائم مع تطلعات الإنسان وأشواقه وحاجاته في الحياة، لأنه منزل من خالق هذا الإنسان وخالق هذه الأشواق والرغبات، ومهما حاول المتربصون للنيل من القرآن والإسلام فإنهم لا يستطيعون أن يطفئوا نور الله الذي أشرقت به الظلمات في الشرق والغرب، حتى لم تبق رقعة على الأرض إلا وصلها القرآن ودخلها الإسلام، بعد أن عرف العقلاء والعلماء حال البشرية والتخبط الذي تعيش فيه جرّاء تلك القوانين والأنظمة الجائرة.

بل إن كثيرًا من شعوب العالم دخلوا الإسلام حين تحلّى به أهله وترجموه في واقع حياتهم، في المعاملات والسياسة والأخلاق والاقتصاد والاجتماع وغيرها.

6-حفظ القرآن الكريم، والعناية بدُور التحفيظ ومدارسها ومعاهدها، وتسهيل سبل التحفيظ للراغبين في ذلك، الأمر الذي يجعل هذا الكتاب محفوظًا في الصدور مع السطور، وأما غير القادرين على حفظه فيكفيهم حفظ بعض سوره وتلاوته ومعرفة أحكامه، حتى لا يبقى صدره خاويًا من ذكر الله تعالى، يقول عليه الصلاة والسلام: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب«(3).

ومن أهم أسباب دوام حفظ القرآن في الصدور وعدم نسيانه هو المواظبة الدائمة على قراءته ومراجعته، لأن الانقطاع الطويل عنه ينسي صاحبه ما حفظ من آياته، يقول عليه الصلاة والسلام: «تعاهدوا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها«(4).

وينبغي أن يخصص المؤمن وقتًا محددًا في اليوم لتلاوة القرآن وحفظه، حسب مقدرته وإمكاناته ووقته، والرجوع إلى التفاسير للآيات التي تشكل عليه معانيها.

كما تجدر الإشارة هنا أنه جاء التحذير الشديد للانقطاع الطويل عن كتاب الله تعالى وتلاوته وحفظه، لأنه كلما ابتعد الإنسان عن كتاب ربه كلما اقترب من الشيطان، فيتهاون في العبادات، ولا يتورع في ركوب المعاصي والمنكرات، حتى تصل به الحال إلى الاستلام المطلق للشيطان والسير تحت رايته، يقول تعالى على لسان رسوله ﷺ عن حال قريش:{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}(5).

وجاء الوعيد الشديد المترتب على هجر القرآن والإعراض عنه، بعقابين شديدين في الدنيا والآخرة، يقول تبارك وتعالى:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ}(6).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [المائدة: 49]

(2) [النساء: 65]

(3) أخرجه الترمذي (ص655، رقم 2914) كتاب فضائل القرآن، باب الذي ليس في جوفه قرآن. قال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه الحاكم (1/554، رقم 2037) وصححه.

(4) أخرجه البخاري (ص902، رقم 5033) كتاب فضائل القرآن. باب استذكار القرآن وتعهده. ومسلم (ص320، رقم 1844) كتاب صلاة المسافرين، باب الأمر بتعهد القرآن وكراهة قول (نسيت) آية كذا وجواز قول أنسيتها.

(5) [الفرقان: 30]

(6) [طه: 124]