بحث عن بحث

آثار القرآن الكريم على النفس والمجتمع

ثالثًا: القرآن يورث السكينة:

وذلك تصديق لقوله ﷺ في الحديث السابق ذكره: «وما قعد قوم في مسجد يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده«(1).

- فحين يقرأ المريض والضعيف قوله تعالى: {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}(2)، وقوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}(3)، يشعر بالراحة والطمأنينة، لأن رحمة الله قريبة منه، وهو جل وعلا أرحم به من نفسه.

- وحين يقرأ الغني قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم}(4)، ويفعل ما يأمره به الله، تدخل الطمأنينة إلى نفسه لأنه قد أدّى حق الله تعالى عليه وأدخل السرور إلى قلوب الفقراء والمساكين.

- وحين يقرأ العاصي قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(5)، فإن ذلك يبعث في نفسه الإنابة إلى الله تعالى الذي لا يغلق باب التوبة لديه، فيبدأ حياة جديدة مليئة بالخير والعمل الصالح.

- وحين يقرأ اليائس قوله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(6)، فإنه يجد أمامه نورًا يدلّه إلى الأمل والتفاؤل، وأن الله تعالى قوي فوق كل قوة، وكبير فوق كل كبير، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وبذلك تطمئن نفسه ويخرج منها اليأس والقنوط.

- وحين يقرأ المتكبر قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}(7)، وقوله تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا}(8)، يشعر بمدى ضعفه وفقره إلى الله تعالى، لا سيما وأنه مخلوق من هذه النطفة، فيدفعه ذلك إلى التواضع مع الله ومع الناس.

- وحين يقرأ المتغافل قوله تعالى:{مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(9)، وقوله:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}(10)، يصحو من رقاده وينفض الغبار عن كاهله ليفكر ويتأمل بجدّ في ملكوت السموات والأرض، ويقوم بأداء رسالته في الحياة وفق ما رسمه الله تعالى.

- وحين يقرأ المشغول قول الله تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(11)، يهزّ هذا القول كيانه ليجد أن أصل العمل يجب أن يكون لله تعالى وللآخرة، وأن العمل في الدنيا إنما هو وسيلة للمعاش والقيام بواجب العبادة على الأرض.

- وحين يقرأ المعرض قول الله تعالى:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ}(12)، يهوله هذا المشهد المرعب، فقر وحرمان وضنك في العيش وابتلاء في الحياة الدنيا، وأشد من ذلك العمى والحرمان يوم القيامة، فيدفعه هذا الشعور للرجوع إلى الله تعالى وتقديم الأعمال الصالحة بين يديه، وترك ما يبغضه الله من المعاصي والمفاسد والمنكرات.

وهكذا يكون تأثير القرأن الكريم على نفس قارئه المتأمل في آياته وأوامره ونواهيه.

*     *     *

رابعًا: القرآن الكريم حصن وحرز من الشرور والآثام:

لقوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا}(13)، وقوله ﷺ: «من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»(14)،فالقرآن الكريم يحمي قارئه من الشرور المختلفة للنفس والبدن والمال والأولاد، سواء كانت هذه الشرور من الجن بالهمز والوسوسة والخوف أو كان من الإنس بالحسد والظلم وإلحاق الأذى، فإن قراءة القرآن وحفظه وتطبيقه تحفظ صاحبه من كل هذه الآفات.

لذا وصّى الرسول ﷺ الأمة بأن تكون على تواصل دائم مع القرآن لأن الشيطان ينفر من كلام الله تعالى، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة»(15)

ومعروف قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان حين قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخلى سبيله، فقال له النبي ﷺ: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب»(16)

كما أن القرآن الكريم يعصم صاحبه من فتنة الدجال: لقوله ﷺ: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِم من فتنة الدجّال»(17).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سبق تخريجه.

(2) [يوسف: 92]

(3) [الأعراف: 56]

(4) [التوبة: 103]

(5) [الزمر: 53]

(6) [ يوسف: 87]

(7) [النحل: 4]

(8) [النساء: 28]

(9) [الحج: 74]

(10) [الزمر: 67]

(11) [القصص: 77]

(12) [طه: 124]

(13) [الإسراء: 45]

(14) أخرجه البخاري (ص677، رقم 4008) كتاب المغازي، باب (12). ومسلم (ص326، رقم 1880) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة.

(15) أخرجه مسلم (ص317، رقم 780) كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.

(16) أخرجه البخاري (ص898، رقم 5010) كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده.

(17) أخرجه مسلم (ص326، رقم 1883) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي.