بحث عن بحث

آثار القرآن الكريم على النفس والمجتمع

خامسًا: القرآن الكريم مصدر بناء وتنمية وعزّ ورفعة:

إن قراءة القرآن والتدبر في آياته وتطبيق أحكامه على النفس والواقع من أهم عوامل البناء والتنمية للأمة، بل إنه يكسب الأمة الرفعة والكرامة والتمكين في الأرض، وكيف لا يكون ذلك وهو الكتاب المنزل من العزيز الجبار القائل عن نفسه: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}(1)، ويقول جل وعلا: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(2).

إن الحفاظ على الكرامة وتحقيق النصر والتقدم العلمي والتقني، وتحقيق التوازن العسكري والاقتصادي، والمستوى الفكري والثقافي، مرهون كل ذلك بمدى قرب الأمة من القرآن وبعدها عنه، لقوله ﷺ: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين«(3).

كما يقول عليه الصلاة والسلام: «يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حلِّه فيُلبسُ تاج الكرامة، ثم يقول: يا ربّ زدْه، فيلبس حلّة الكرامة، ثم يقول: يا رب أرضَ عنه، فيقال له: اقرأ وارقَ ويزاد بكل آية حسنة«(4)، والشاهد على هذه الحقيقة على مستوى الأمة، حين كان القرآن دستورها ومرجعها، كانت ذا رفعة وكرامة وقوة وتمكين، حتى دانت لها أكبر الإمبراطوريتين في العالم، وأما حين هجرت هذا الكتاب وأخذت ببعض آياته وتركت جلّه، تحوّلت إلى أمة ضعيفة تسير في مؤخرة الركب، وتتسول العلم والمعرفة على أبواب الأمم الأخرى.

أما على مستوى الأفراد، فكم من وضيع قرأ القرآن ارتفع ووصل إلى المعالي، وكم من فقير قرأ القرآن اغتنى، وكم من مريض قرأ القرآن شفي وتعافى، وكم من فاشل قرأ القرآن نجح وارتقى، وهكذا.

فتشريع القرآن وحكمه، وأمره ونهيه، والعلوم التي يشملها والأخبار التي يسردها، والغيب الذي يكشفه، تعدّ مصدرًا حيويًا وحقيقيًا للأمة في ميادين الحياة المختلفة، في حين أن هذه المقومات لا تتوفر عند عقائد الأمم الأخرى ومذاهبها.

*     *     *

سادسًا: القرآن الكريم منظم لحياة الناس وشؤونهم:

لقد تميّز القرآن الكرام في معالجة مشكلات الحياة وتحديد علاقات الناس في المناحي المختلفة بالتوازن والاعتدال، بصورة تتلائم وتتوافق مع الفطرة الإنسانية السليمة، ومن الأمثلة على ذلك:

-تنظيم الجانب الاقتصادي من خلال الحث على القرض الحسن والصدقة وتحريم الربا بجميع أشكالها، يقول تبارك وتعالى:{مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}(5)، ويقول جل وعلا: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}(6)، ويقول أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}(7).

كل ذلك من أجل تحقيق العدالة الاقتصادية وعدم تكدس الأموال والأملاك في أيدي فئات محددة ومحتكرة.

-تنظيم الجانب الاجتماعي: من خلال الحث على الزواج الشرعي وتكوين الأسرة وإرساء دعائم الحب والوئام بين أفراد الأسرة لا سيما الزوجين، يقول تبارك وتعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(8)، ثم حدد المهمة الملقاة على كاهل أفراد هذه الأسرة، يقول جل ثناؤه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(9).

كما حثّ القرآن الكريم الأبناء للقيام بواجب البر والعناية بالوالدين والإحسان إليهما لقوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}(10).

-تنظيم الجانب السياسي: ويظهر هذا التنظيم واضحًا في القرآن الكريم حين يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم داخل الدولة الإسلامية، كما في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(11)، فإذا حدث إشكال أو نزاع فإن الحَكم حينها هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لقوله تعالى في تتمة الآية:{فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(12). وكذلك دعوتهم وفق المنهج القرآني القائل:{ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(13).

كما أن القرآن الكريم تناول العلاقات السياسية مع الدول غير المسلمة وفق القاعدة القرآنية المعروفة:{وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(14)، فالأصل في العلاقات الخارجية مع غير المسلمين هو السلام، ومن ثم دعوتهم عبر الوسائل المشروعة والمتاحة.

وهكذا بالنسبة لجميع الجوانب والميادين الأخرى، كان القرآن معالجًا لها ومنظمًا لأمورها، ومحددًا لأطرها وحدودها، بشكل متوازن ومعتدل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الصافات: 180]

(2) [المجادلة: 11]

(3) أخرجه مسلم (ص329، رقم 1897) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه.

(4) أخرجه الترمذي (ص655، رقم 2915). وأحمد (2/192، رقم 6799). وقال: حديث حسن صحيح.

(5) [الحديد: 11]

(6) [البقرة: 276]

(7) [البقرة: 278-279]

(8) [الروم: 21]

(9) [التحريم: 6]

(10) [الإسراء: 23]

(11) [النساء: 59]

(12) [النساء: 59]

(13) [النحل: 125]

(14) [الأنفال: 61]