بحث عن بحث

شروط الدعاء

حتى يكون الدعاء مقبولاً عند الله تعالى لا بد من توافر بعض الشروط والضوابط التي تدخله في إطاره الشرعي، ليتحقق معنى العبودية ويحصل مطلب الاستجابة، ومن أهم هذه الشروط:

أولاً: إخلاص الدعاء لله وحده:

بأن يتوجه العبد بدعائه إلى الله تعالى وحده دون غير سواء، فلا يسأل إلا الله، ولا يطلب إلا من الله، ولا يتضرع إلا لله، ولا يقدم الثناء والتعظيم إلا لله، فلا يتخذ للتواصل مع الله تعالى وسائط ووسائل ليقربهم إليه من تماثيل أو أحجار أو أشخاص كما كانت تفعله العرب في الجاهلية، فإنها شرك بالله تعالى كما قال:{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}(1).

ذلك لأن الله تعالى أمر عباده اللجوء إليه مباشرة من غير وسيط، فإنه قريب منهم، يسمع دعاءهم وشكواهم فلا حاجة لمثل تلك الآلهة والمعبودات للوصول إلى الله تعالى أو إيصال الدعاء إليه، يقول تبارك وتعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(2).

وأما الدعاء لغير الله تعالى والتوسل بالأشخاص والأحجار والأشجار فإنها لا تزيد صاحبه إلا ضلالاً وانحرافًا عن هدي الله تعالى، لأن تلك المعبودات من خلق الله وصنعه، ولا تستطيع دفع الضر عن نفسها، فكيف تدفعه عن غيرها؟! يقول تبارك وتعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}(3).

وفي وصيته عليه الصلاة والسلام لابن عباس رضي الله عنهما: «يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله»(4).

ثانيًا: اليقين بقدرة الله تعالى على إجابة الدعاء:

ويدخل هذا في باب حسن الظن بالله تعالى في استجابته لدعاء عبده، وقدرته على تحقيق ما يسأله هذا العبد من الرحمة والمغفرة، ومن كشف الضر وتخفيف المصيبة، وبسط الرزق، وإغداق النعم، وغيرها، لأن الله تعالى تعهد بذلك لعباده فقال:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(5)، وقال أيضًا:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}(6).

فلا ينبغي للعبد أن يدعو وهو يشك في الاستجابة أو غير مطمئن لنتيجة دعائه، لأن رحمة الله أوسع مما يتصوره العبد، وعفوه غير محدود للمنيبين إليه، واستجابة الدعاء ليس بعزيز عليه جلّ وعلا، لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ، ذكرته في ملإ هم خير منهم، وإن تقرب مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإن تقرَّبَ إلي ذراعًا تقرّبت منه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة»(7).

فالله تعالى يستجيب لعبده الداع لا محال، عاجلاً أم آجلاً، فربما يتحقق الدعاء ويستجاب له بشكل عاجل، وقد يتأخر حينًا من الزمن، يطول أو يقصر، لقوله ﷺ: «إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردها صفرًا خائبتين»(8).

والمهم في ذلك كله ألا يستعجل العبد ويقول أن الله تعالى لم يستجب لي، لقوله ﷺ: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي»(9).

وإذا لم يتحقق الدعاء في الحياة الدنيا، فإنما يؤخرها الله له في الآخرة، ليكون له نجاة وحجابًا من النار، أو يدفع به ضرًّا لقوله ﷺ: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذًا نكثر؟ قال: الله أكثر»(10).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الزمر: 3]

(2) [البقرة: 186]

(3) [الأعراف: 194]

(4) سبق تخريجه

(5) [البقرة: 186]

(6) [غافر: 60]

(7) أخرجه البخاري (ص1273، رقم 7405) كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {ﯳﯴﯵ }. ومسلم (ص1166، رقم 6805) كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله تعالى.

(8) أخرجه أبو داود (ص221، رقم 1488) كتاب الوتر، باب الدعاء. والترمذي (ص811، رقم 3556) كتاب الدعوات، باب 105. وهو حديث حسن.

(9) أخرجه البخاري (ص1102، رقم 6340) كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل. ومسلم (ص1186، رقم 2735) كتاب الذكر والدعاء، باب أنه يستجاب للعبد ما لم يعجل.

(10) أخرجه الترمذي (ص814، رقم 3573) كتاب الدعوات، باب في انتظار الفجر. وابن ماجه (ص576، رقم 4003) كتاب الفتن، باب فتنة النساء. وأحمد (3/18، رقم 11149). والحديث حسن صحيح.