بحث عن بحث

من صور البرّ بالوالدين

لا يمكن حصر صور البرّ بالوالدين وتحديدها ضمن إطار ثابت، لأن البرّ يشمل جميع صور الكلام والتعامل والمشاعر نحوهما، ويمكن الإشارة إلى بعض هذه الصور على سبيل المثال لا الحصر:

1- خفض الجناح لهما وإكرامهما، وتقبيل رأسهما، وحسن ضيافتهما، لقوله تعالى:{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}(1).

2- الدعاء لهما في الحياة وبعد الممات، لقوله تعالى:{وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}(2)، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعوا له«.

3- عدم التأفف لهما، أو العبوس بوجههما أو انتهارهما، أو إيذائهما بكلام أو فعل، لقوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}(3).

4- إدخال السرور والفرحة إلى قلوبهما بجميع الوسائل المتاحة، إما بالهدايا أو العطايا أو النفقات، أو بالكلام اللطيف والمعاملة الحسنة، وزيارتهما بين الفترة والأخرى، ومتابعة أحوالهما النفسية والصحية والمادية وغيرها.

5- إكرام أصحابهما من الرجال والنساء، وكذلك أقربائهما من الأعمام والعمات والأخوال والخالات، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن من أبرّ البرّ صلة المرء أهل ودِّ أبيه بعد أو يولى«(4)كما أمر عليه الصلاة والسلام بحسن الصلة بالعم فقال: «العم صنو أبيه»(5) وكذلك حسن الصلة بالخالة حيث قال: «الخالة بمنزلة الأم«(6).

6-أمرهما بالمعروف، ودعوتهما إلى الإسلام إذا كانا غير مسلمين، وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، كما فعل إبراهيم عليه السلام: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا}(7).

كما أمر الله تعالى بصحبة الوالدين بالمعروف والتواصل معهما وبرّهما، وإن كانا غير مسلمَيْن، ما دام هذا البرّ في المباح وليس في معصية الله، يقول تبارك وتعالى:{وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(8).

7- مقابلتهما بالابتسامة والبشاشة، لأنهما بالأمس القريب سهرا لأوجاع أبنائهما، وتحمّلا كثيرًا من الآلام والعذاب من أجل سعادتهم وراحتهم، بل إنهما أمضيا العمر كله وأفنيا قوتهما وشبابهما من أجل أن يكبر أبناءهما ويتفوقوا في الحياة ويبلغوا المعالي، وقد أبدع أحد الشعراء في تصوير هذا المشهد بهذه الأبيات:

زر والديك وقِفْ على قَبْريْهما *** فكأنني بك قد نقلت إليهما

لو كنتَ حيث هما وكانا بالبقا *** زاراك حبوًا لا على قدميهما

ما كان ذنبهما إليك لطالما *** مَنَحاكَ نفس الودّ من نفسيهما

كانا إذا ما أبصرا بك علَّةً *** جزعا لما تشكو وشقَّ عليهما

كانا إذا سمعا أنينك أسْبَلا *** دمعيهما أسفًا على خديهما

فغدرت حقهما عشية أسكنا *** دار البقا.. وسكنتَ في داريهما

فلتلحقنهما غدًا أو بعده *** حتمًا كما لحقا هما أبويهما

ولتندمن على فعالك مثلما *** ندما هما ندمًا على فعليهما

بشراك لو قدّمت فعلاً صالحًا *** وقضيت بعض الحق من حقيهما

فاحفظ – حفظت – وصيتي واعمل بها *** فعسى تنال البرّ من برّيهما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ               

(1) [الإسراء: 24]

(2) [الإسراء: 24]

(3) [الإسراء: 23]

(4) أخرجه مسلم (ص52، رقم 85) كتاب الإيمان، باب كون الإيمان بالله من أفضل الأعمال.

(5) أخرجه مسلم (ص395، رقم 993) كتاب الزكاة، باب تقديم الزكاة ومنعها.

(6) أخرجه البخاري (ص440، رقم 2699) كتاب الصلح، باب الصلح مع المشركين.

(7) [ مريم: 42-45]

(8) [ لقمان: 15]