بحث عن بحث

حقيقة الأعمال الإيجابية

تنقسم أعمال الإنسان من حيث نفعها إلى قسمين:

أ – النفع القاصر على النفس:

وهي الأعمال التي يقوم بها الإنسان لمنفعته الذاتية قبل كل شيء وإن تعدى بعض آثارها إلى الآخرين في الجوانب المختلفة، لأن الإنسان إنما يقوم بها من أجل منفعة ذاته في الأصل وليس من أجل الآخرين. كالصلاة والصيام والحج وقراءة القرآن والأذكار وغيرها.

- فالصلاة التي هي عبادة مفروضة على كل إنسان، وهو يقوم بأدائها استجابة لأمر الله تعالى الذي يخاطبه بنفسه جلّ وعلا، والمنفعة الذاتية المترتبة على هذا الفرض هي الأجر والثواب والرضى من الله، فضلاً عن أنها تكسب المصلي السكينة والطمأنينة النفسية، يقول تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}(1).

إضافة إلى بعض المنافع التي تتحقق تباعًا للمجتمع نتيجة هذه العبادات، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتقلل من حدوث الجريمة، وهي وسيلة للتعارف والتآلف والتزاور حين يؤدى في المساجد جماعة، وهي آثار إيجابية على الآخرين.

- وكذلك الصيام، فإن الصائم ينال الأجر العظيم والثواب الكبير الذي لا حدود له لقول النبي ﷺ: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عزّ وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك»(2). وهذا النفع العظيم بالأصل ذاتي يعود على الصائم فقط، ولكنه يعطي بعض الثمرات الإيجابية خارج الدائرة الذاتية لينتفع بها المجتمع، فالصيام يحث على الرحمة بالفقراء والمساكين ومدّ يد العون إليهم لأن الصائم يشعر بجوع المسكين وعطش الظمآن وحاجة الفقير، فيتحرك للإحسان إليهم بصورة عملية.

- والحال نفسه بالنسبة للزكاة الذي يترتب عليه جزاء عظيم من الله تعالى حين يخرج الغني جزءًا من ماله ليعطيه أخاه الفقير والمحتاج تمثيلاً لأمر الله تعالى، فيكسب بذلك نفعًا ذاتيًا أولاً من الأجر والثواب، كما يدفع عن نفسه العذاب والعقاب في الآخرة، ولكنه بذلك يحقق مصلحة أخرى لغيره أيضًا، حيث يخفف عن إخوته المساكين والفقراء شقة الحاجة ويفرج عنهم كربات كثيرة، الأمر الذي يبعث على الحب والتآلف والتعاون بين الجميع ويزيل بينهم الحقد والكراهية والحسد.

وهكذا فإن جميع الأعمال الإيجابية الأخرى من العبادات والأذكار التي تعود بالنفع على الإنسان في الأصل هي أعمال قاصرة عليه من حيث المبدأ لأنه يقوم بها امتثالاً لأمر الله لينال رضاه وأجره ويتفادى غضبه وعذابه، ولكن هذا النفع لا يتوقف في هذه الدائرة الذاتية؛ بل يتعداها ليصل إلى جميع الناس.

ب – النفع المتعدي للآخر:

وهي الأعمال التي تعمل لنفع الآخرين، مثل الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقضاء حوائج الناس، وقضاء الدين عن المدين، وبناء المدارس والمستشفيات وإقامة الجمعيات الخيرية، وغيرها من الأعمال النافعة.

فحين يقوم المؤمن بقضاء حاجة أخيه المؤمن سواء في الجانب المادي أو المعنوي فإنه يقوم بعمل إيجابي يستفيد منه هذا الفقير والمحتاج، ألا وهو إخراجه من الضيق الذي كان فيه، وقد حث الإسلام على ذلك لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(3). وقوله ﷺ: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه«(4).

وما تحقق من خير في هذا الباب فإنه يؤدي إلى تحقيق آثار إيجابية عظيمة داخل المجتمع، إضافة إلى ما يؤخره الله تعالى للقائم بهذا العمل من أجر وثواب يوم القيامة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الأنفال: 3-4]

(2) أخرجه البخاري (ص304، رقم 1894) كتاب الصوم، باب فضل الصوم. ومسلم (ص469، رقم 1151) كتاب الصيام، باب فضل الصيام.

(3) [المائدة: 2]

(4) أخرجه مسلم (ص1173، رقم 2699) كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم.