بحث عن بحث

آثار العمل الإيجابي على النفس والمجتمع (1-7)

للعمل الإيجابي آثار وثمرات على حياة الإنسان بصورة عامة، وعلى النفس والمجتمع بصورة خاصة، ويمكن الإشارة إلى بعض هذه الآثار الناتجة عن حركة الإنسان الإيجابية على الأرض من خلال المعالم الآتية:

أولاً: العمل الإيجابي يدل على سلامة الصدر:

خلق الله تعالى النفس الإنسانية وفيها العنصر الإيجابي المتمثل بالطاعة والخير، والعنصر السلبي المتمثل بالمعصية والشر، قال الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}(1)

والصراع قائم بين هذين العنصرين حسب المقوّمات التي يمتلكها كل عنصر، إلا أن من رحمة الله تعالى أن هيّأ للعنصر الإيجابي الأسباب الكفيلة بالتغلب على العنصر السلبي من خلال الوحي والقرآن والسنة النبوية المباركة، حيث بيّن الله سبيل الهداية وما يؤول إليه من الخير والسعادة في الدنيا، والثواب العظيم في الآخرة، فقال تبارك وتعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ}(2).

فالنفس السلبية تحب التملك لذاتها ولا تريده لغيرها، فجاء الهدي الرباني ليشجع النفس الإيجابية ويدفعها إلى عكس ذلك من القيام بالعمل الإيجابي النافع لها ولغيرها، ليحلّ حب الآخرين والقيام على خدمتهم وقضاء حوائجهم محل الأنانية الضيقة التي لا تريد الخير لأحد، وقد كان هذا التغير في السلوك خطوة نوعية لحياة الأمة في فجرها الأول، قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(3).

فإن تلك النفس الأمارة بالسوء التي كانت مقيدة بحب ذاتها في التملك والسيطرة والجاه تحوّلت إلى نفس متواضعة خيّرة، تتحمل المشاق من أجل راحة الآخرين وسعادتهم، بفضل الهدي الرباني والقرآن الذي كان ينزل عليهم، وهو تصوير لما فعلته الأنصار مع المهاجرين رضي الله عنهم جميعًا.

فكل عمل إيجابي يصدر من الإنسان ويصل نفعه إلى الآخرين دليل على صفاء نفس صاحبه وسلامتها من الأنانية المقيتة وحب الذات.

فحين يتصدق أحدهم على الفقراء من ماله فهذا دليل على أن نفسه متحررة من حب المال.

وحين يمشي أحدهم مع أخيه ليقضي له حاجته، رغم مسؤولياته ومشاغله، دليل على محبته وحب الخير له.

وحين يسعى المؤمن من أهل العلم في تعليم الآخرين، أو يعطي المتفوّق والمتخصص خبرته إلى إخوانه، ولا يكتم أحد منهم علمًا على الناس، فهذا يعني أن نفسه تحررت من الأنانية وحب الذات.

وهكذا في جميع الأعمال الإيجابية.

حذّر الإسلام الإنسان من النفس السلبية التي لا تحب الخير للآخرين وتقف مانعًا في طريقه إلى الناس حتى لا يصل أحد إلى ما وصل إليه، لأنها من الآفات النفسية الخطيرة التي تهدد استقرار النفس والمجتمع، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه«(4).

وكمال قال الشاعر:

والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على *** حبّ الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ

وخالف النفس والشيطان واعْصِهما *** وإن هما محضاك النصح فاتهمِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [ الشمس: 7-10]

(2) [النازعات: 40-41]

(3) [الحشر: 9]

(4) أخرجه البخاري (ص5، رقم 13) كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ومسلم (ص41، رقم 170) كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.