بحث عن بحث

آثار العمل الإيجابي على النفس والمجتمع (3-7)

ثالثًا: العمل الإيجابي يحدّ من الجريمة:

إن من أهم ثمرات الإيمان وآثاره هو العمل الإيجابي الذي يعكس التشريع وما فيه من أمر ونهي، فكل ما أمر الشارع بفعله أو ما نهى عن فعله يكون عملاً صالحًا إيجابيًا، وإن اختفت العلة والحكمة منه أو تأخرت، لكنها في النهاية تصبح في مصلحة الإنسان.

وهذا يعني أن العمل الإيجابي الذي هو ديدن المؤمن في كل أحواله من العوامل القوية في استقرار حال الإنسان في النفس والمال والأولاد وجميع مصالحه، وكذلك فإنه يمنع دخول الجريمة والرذيلة والفساد إلى المجتمع.

وفيما يلي بعض الأمثلة:

أ- فأداء الصلاة بإخلاص وإقامتها وفق شرع الله يزيد من إيمان المصلي وقربه من الله تعالى، فيمنعه من الفساد والاعتداء على الحقوق والأعراض، يقول تبارك وتعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}(1).

ب- والصيام يلجم اللسان عن أسباب التناحر والتنازع من السباب والغيبة، ويمنع الجوارح عن الاعتداء والظلم، حتى إذا صدر من أحدهم شيء من هذه المفاسد، فإن الصائم يمتنع عن الردّ عليه ويملك نفسه، ويحتسب عند الله تعالى بقوله: اللهم إني صائم، امتثالاً لقول النبي ﷺ: «الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين»(2). ولقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»(3).

وهذا يعني أن الصائم بجوعه وعطشه يطفئ نار الفتنة والشر والتنازع في المجتمع.

ج- كذلك الحال فإن الغني والمقتدر إذا أحسّ بآلام إخوانه المحتاجين وأغدق عليهم من نِعَم الله تعالى وقضى بعض حوائجهم، أو ساهم في تسديد ديونهم، فإنه يقضي بهذا العمل الإيجابي على أسباب الحقد والكراهية من النفوس المقابلة، لأن النفوس مجبولة على حب من تحسن إليها. وهذا يساعد بشكل فاعل في إحلال الأمن بين الناس وعدم الخوف على مصالحهم من الاعتداء أو السرقة أو النهب.

د- من الأعمال الإيجابية التي حث عليها الإسلام الزواج الشرعي، فإنه وإن كان مطلبًا فطريًا إلا أنه في الوقت نفسه عمل إيجابي يحافظ على بقاء النسل الإنساني، ويؤدي إلى إيجاد الرحمة والحنان بين الزوجين، لقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(4).

والزواج بهذا المفهوم يساعد إلى درجة كبيرة في نشر الفضيلة بين الناس والمحافظة على الأعراض والأنساب، كما يمنع الجرائم الأخلاقية والوقوع في شراك الرذيلة، وقد أخبر النبي ﷺ عن الأثر الإيجابي الكبير من الزواج بقوله: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»(5).

هـ- إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الأعمال الإيجابية التي حثّ عليها الإسلام وجعله من الواجبات الشرعية المهمة، لقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(6).

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمل إيجابي من جانبين:

الأمر بالمعروف ويشمل كل أنواع الخير والمنفعة للقائم به والمجتمع من حوله.

النهي عن المنكر يعني النهي عن كل أنواع الشر والفساد بالنسبة للقائم به والمجتمع من حوله.

وبهذا فإن هذا العمل الإيجابي يسهم إلى حدّ كبير في الاستقرار الأمني والتقليل من ارتكاب الجريمة أو حدوث الجناية في المجتمع.

وقد بيّن النبي ﷺ أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حياة الناس بالمثال الآتي: «مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذين في أسفلها يرمون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به، فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه، فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم»(7).

ويقول عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم»(8).

وهكذا فإن المجتمع الذي يتنافس فيه أبناؤه على العمل الإيجابي يتحوّل إلى كيان متلاحم ومتآلف، لا يمكن تمزيقه أو النيل منه، بل يصبح كالجسد الواحد كما وصفه الرسول ﷺ بقوله: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوًا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى»(9).

______________________________________________________________

(1) [العنكبوت: 45]

(2) سبق تخريجه.

(3) أخرجه البخاري (ص306، رقم 1903) كتاب الصيام، باب من لم يدع قول الزور والعمل به.

(4) [الروم: 21]

(5) أخرجه البخاري (ص307، رقم 1904) كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العنت. ومسلم (ص585، رقم 1400) كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة.

(6) [آل عمران: 104]

(7) أخرجه البخاري (ص338، رقم 2686) كتاب الشهادات، باب القرعة في المشكلات.

(8) أخرجه أبو داود (ص175، رقم 1175) كتاب الاستسقاء، باب رفع اليدين في الاستسقاء.

(9) سبق تخريجه.