بحث عن بحث

أنـواع المـرض (2-2)

النوع الثاني: المرض النفسي

وهو الذي يصيب الجانب النفسي في الإنسان، حيث يؤثر على أشواقه ومشاعره وتطلعاته الداخلية، فيفقد المصاب نفسيًا في هذه الحالة كثيرًا من نشاطه وتوازنه مما يؤثر ذلك على سلوكه وتعامله مع المحيط الخارجي، ومن أهم هذه الأمراض: الهمّ والاكتئاب والحزن والقلق والخوف واليأس والشك وغيرها، وهو الذي يعنينا في هذا المقام.

وخطر المرض النفسي يفوق كثيرًا المرض العضوي، لأنه يؤثر بصورة مباشرة على سلوك الإنسان، فيفقد الإنسان السيطرة على كثير تصرفاته،  الأمر الذي بالمريض أحيانًا الإقبال على أفعال غير سوية أو يؤدي به أحيانًا أخرى إلى إيذاء الآخرين أو إيذاء نفسه بالقتل أو الانتحار.

وأما طبيعة النفس ومعرفة كنهها وما تحتويه من الرغبات الإيجابية والسلبية، فإن العلم لم يصل إلى الآن إلا إلى نزر يسير منها، من خلال بعض التجارب الجزئية هنا وهناك، وصدق الله القائل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}(1).

وبالتالي فإن عدم المعرفة الكاملة لحقيقة النفس من قبل المختصين فإنه إشارة إلى أن التعاطي معها والتعامل مع ما يعتريها من الأمراض سيكون غير متكامل، وإن نسب الفشل تفوق نسب النجاح في كثير من الأحيان.

فكان لا بد – والأمر هكذا – أن يتوجه الناس إلى المعين الأصيل الذي ينبع منه التصور الصحيح عن حقيقة النفس وما يؤثر فيها ويضطربها، أو ما تهدئها وتطمئنها، ألا وهو الله تعالى الذي خلق النفس ويعلم حوائجها، ويعلم ما يسعدها وما يحزنها، يقول تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}(2). فلا يجوز أن يتجاوز أحدٌ من المختصين وعلماء النفس هذه الحقيقة، فكل تشخيص أو علاج بعيد عن التفسير الرباني للنفس ومشكلاتها لن يجدي ولن يحقق الشفاء الكامل، لأنه يعتمد على الدلائل المادية فحسب، والأمر ليس هكذا، بل إنه أكبر وأعمق من هذا التصور الساذج عن النفس الإنسانية وأشواقها.

أما حقيقة النفس وما هيتها فلا يمكن معرفتها إذا قلنا أن النفس هي الروح، ولكننا نرى آثارها ماثلة أمام أعيننا وفي حياتنا وواقعنا البشري، من أشواق ورغبات وتطلعات، أما معرفة كنها ستبقى معجزة تتحدى الإنسان إلى يوم الدين، ليدرك عجزه وضعفه أمام خَلق الله تعالى وشأنه، يقول تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}(3).

وقد أشار الله تعالى في كتابه المبين إلى بعض أنواع النفس وحالاتها، وهي ثلاثة:

1-النفس الأمارة بالسوء: وهي النفس العدوانية التي استولى عليها الشيطان من كل جانب حتى أصبحت أسيرة لوساوسه ونفثاته كما في قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(4).

2-النفس اللوامة: وهي التي تقع في الأخطاء وترتكب المعاصي ثم تعود إلى رشدها وتتوب إلى بارئها بالاستغفار والندم، كما في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}(5).

3-النفس المطمئنة: وهي النفس التي ملئت بالإيمان واليقين، وخلت من وساوس الشياطين وهمزاتهم، فأصبحت طائعة وخاشعة لأمر ربها قال الله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً . فَادْخُلِي فِي عِبَادِي . وَادْخُلِي جَنَّتِي}(6).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الإسراء: 85]

(2) [ق: 16]

(3) [الإسراء: 85]

(4) [ يوسف: 53]

(5) [القيامة: 1-2]

(6) [الفجر: 27-30]