بحث عن بحث

من أخطاء التعامل مع الرقية (3-3)

سابعًا: الضرب بآلات قوية:

يتبع بعض الرقاة والقرّاء أثناء القراءة بعض الضرب وفي مواطن محددة من جسم المريض، وربما استخدم بعضهم آلات قوية ومؤذية كالعصي الكبيرة، أو الحديد، أو اللكمات القوية، كأسلوب لإخراج الشيطان من الجسم، وأحيانًا يشترك في الضرب أكثر من شخص يأخذ كل واحد منهم جهة من المريض ويبدأ بضربه والشدة عليه، فإذا تجاوز الضرب الحد المعقول أو استخدم فيه آلة قوية أو جارحة ربما يؤدي إلى جرح المريض أو إعاقته أو حتى وفاته، وقد حدثت حالات كثيرة جراء هذا السلوك الخاطئ في الرقية.

فقد أمر عليه الصلاة والسلام بالرقية الشرعية بالقرآن والأدعية والكلمات التي يتأذى منها الشياطين ويخاف منها، فعن عثمان بن أبي العاص قال لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله ﷺ فقال: ابن أبي العاص قلت: نعم يا رسول الله قال: ما جاء بك؟ قلت: يا رسول الله عرض لي شيء في صلواتي حتى ما أدري ما أصلي قال: ذاك الشيطان ادنه فدنوت منه فجلست على صدور قدمي قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال: «اخرج عدو الله» ففعل ذلك ثلاث مرات ثم قال: «الحق بعملك» فقال: عثمان فلعمري ما أحسبه خالطني بعد«(1).

فلم يستخدم عليه الصلاة والسلام الضرب المبرح ولا آلة قوية مؤلمة، وإنما ضرب بيده على صدره من غير أن يؤذيه ثم رقى عثمان ببعض الكلمات.

كما أن الضرب المبرح الذي يؤذي المريض ربما يخوفه ويخوف المرضى الآخرين من المجيء إلى الراقي أو القارئ مرة أخرى، لأن النفس تنفر من الغلظة والشدة في التعامل.

ثامنًا: الخلط بين الحالة النفسية والحالة العصبية:

إن من الأخطاء التي يرتكبها بعض الرقاة على المرضى هو الخلط بين الحالة النفسية الصحيحة والتي ينجم عنها بعض الأمراض المعروفة كالخوف أو القلق أو الاكتئاب أو التشاؤم، وبين الحالة العصبية التي تعتريه نتيجة ظروف اجتماعية أو اقتصادية أو وجود مظلمة أو شكوى أو غيرها، والفرق كبير بين الحالتين، لأن الحالة الثانية تعتري جميع الناس، حسب المواقف والأحداث التي يمرون بها في حياتهم اليومية، سرعان ما تزول وتتلاشى مع الوقت، أو ربما يكون ذلك مرضًا وراثيًا يمكن التعامل معه عبر العيادات الطبية المخصصة لها.

أما الحالة الأولى والتي هي حالة نفسية محضة، فهي نتيجة تمكن الشيطان من النفس البشرية واستيلائه عليها وبث نزغاته ووساوسه فيها بصورة دائمة، أو هي نتيجة سحر أو عين أو حسد أو مس من الشيطان، وفي هذه الأشكال لا بد من القراءة الدائمة والدعاء المتواصل، إضافة إلى تناول الأدوية والعقاقير إذا احتاج الأمر ذلك.

تاسعًا: التحذير من الطب النفسي والاعتداء عليه:

ينتشر لدى بعض الرقاة والقراء مفهوم خاطئ عن الطب النفسي، ويعدّونه من العلوم التي لا تغني شيئًا عن المرضى سوى أكل أموالهم وإدخالهم في دوامة العقاقير والأدوية، وهذا التصور يتنافى مع الشرع الذي أمر المؤمنين بالتداوي الحلال، سواء كان في مراكز الرقاة، أو في العيادات الطبية النفسية، كما قال عليه الصلاة والسلام: «يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء«(2).

فلم يقيّد عليه الصلاة والسلام التداوي بالقراءة فحسب، وإنما جعله مطلقًا ما دام ضمن دائرة الحلال والمباح.

وفي الحقيقة فإن الطب النفسي الصحيح والرقية الشرعية الصحيحة يكمل أحدهما الآخر، ومن الخطأ الفصل بينهما أو إهمال أحدهما والاعتماد على الآخر.

عاشرًا: التعامل مع الطب الشعبي دون دراسة للمواد المتناولة أو التحقق منها من خلال الاستشارات العلمية:

قد يقع بعض القرّاء في خطأ جسيم، يذهب المريض ضحية خطأ في تشخيصهم وعلاجهم، حين يصفون له بعض الأعشاب، أو السوائل، أو الخلطات، ثم يتناولها المريض دون أن يستشير طبيبًا أو مركزًا علميًا متخصصًا، ثم تظهر نتائجها السلبية عليه، فتزداد حالته سوءًا وتعقيدًا، أو ربما تؤدي إلى ظهور أمراض عضوية عليه كان بغنى عنها قبل ذلك.

*     *     *

وفي الختام، فإن الأمة اليوم بحاجة إلى مزيد من العلم للفصل بين ما هو من الدين وما هو دخيل عليه، كما هي حال الرقية الشرعية التي دخلت عليها المخالفات العقدية والتجاوزات الشرعية إما بسبب الجهل أو الكسب المادي، الأمر الذي يفرض على أهل العلم والمسؤولين وجميع المؤسسات والهيئات النظر إلى ذلك والتعامل معه بصورة صحيحة وحاسمة، من خلال هاتين الخطوتين:

الأولى: متابعة مراكز الرقى ومراقبتها ودراسة أحوال الرقاة ومدى التزامهم بالضوابط الشرعية، واتخاذ الإجراءات الرادعة على جميع التجاوزات العقدية والشرعية في هذه المراكز وعند هؤلاء الرقاة.

الثانية: العمل بجميع الطاقات والإمكانات على نشر التصور الصحيح عن الرقية الشرعية الصحيحة، عبر الوسائل الإعلامية المختلفة، في الفضائيات والانترنت والندوات والمحاضرات والخطب وحتى في المناهج الدراسية بالمدارس والمعاهد والجامعات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه ابن ماجه (ص511، رقم 3548) كتاب الطب، باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه. وأحمد (4/171، رقم 17584). صححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(2) سبق تخريجه.