بحث عن بحث

أنواع الرؤى (3-3)

النوع الثالث: الرؤيا الصادقة:

وتتعلق بهذا النوع من الرؤى مجموعة من الحقائق، منها:

  أ- هذه الرؤيا هي الصالحة، والصادقة، والحسنة، التي أخبر عنها النبي ﷺ بقوله: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة«(1).

ب- هذه الرؤيا بالنسبة للأنبياء وحي من الله تعالى، كما حدث لإبراهيم عليه السلام حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام، قال الله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}(2).

وقد أخبر الله تعالى عن نبيه يوسف عليه السلام ورؤياه فقال عنه: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}(3)، وتحققت هذه الرؤيا بعد زمن طويل، حين صار يوسف عليه السلام ملكًا على خزائن مصر، وجاءه أبواه وإخوته واجتمع بهم وخرّوا له سجدًا، قال الله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}(4).

وقد تقع الرؤيا من الكافر إذا أراد الله به خيرًا كما وقع للعزيز: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ}(5).

{يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}(6).

فجاء تعبيرها من يوسف عليه السلام: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}(7).

وكذلك الحال بالنسبة لمن دخل مع يوسف عليه السلام السجن، وقد سألاه عن رؤياهما، قال تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}(8).

فعبّر لهما الرؤى وبيّن مآلها، قال الله تعالى عنه: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}(9).

أما عن غير الأنبياء عليهم السلام من الناس الصالحين، فالمراد أنها خبر صادق من الله لا يجوز عليه الكذب، فشابهت النبوة الصادقة.

-هذه النصوص تدل على تعظيم هذه الرؤيا، وكان الصحابة يعظمون شأنها، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تبارك وتعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}(10).

قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له»(11). وكذلك فسرها ابن عباس رضي الله عنهما.

ومن القواعد: كلما كان الإنسان مستقيمًا، وصالحًا، وصادقًا، صدقت رؤياه، لقول النبي ﷺ: «أصدقهم حديثًا أصدقهم رؤيا»(12).

ويتعامل الرائي مع هذا النوع من الرؤيا وفق المنهج الآتي:

1-يستبشر بها، ويحمد الله تعالى عليها، كما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة فمن رأى خيرًا فليحمد الله عليه وليذكره ومن رأى غير ذلك فليستعذ بالله من شر رؤياه ولا يذكرها فإنها لا تضره»(13).

2-ألاّ يخبر بها إلا من يحب، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب»(14).

3-ألا يطلب تعبيرها إلا من عالم، لقول النبي ﷺ: «لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح»(15).

وقد قصّ يوسف عليه السلام رؤياه على أبيه يعقوب عليه السلام الذي هو نبي الله تعالى ولم يقصها على أحد آخر من عامة الناس، قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}(16).

3- ألاّ يقصّ على حاسد أو حاقد أو عدوّ، لقوله تعالى على لسان يعقوب: {قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}(17). فقد حذّره أبوه عليه السلام من إخبار إخوته بالرؤيا خوفًا عليه من حسدهم وغيرتهم من يوسف عليه السلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري (ص1206، رقم 6990) كتاب التعبير، باب المبشرات.

(2) [الصافات: 102-109]

(3) [يوسف: 4]

(4) [يوسف: 100]

(5) [يوسف: 43]

(6) [يوسف: 46]

(7) [يوسف: 47-49]

(8) [يوسف: 36]

(9) [يوسف: 41]

(10) [يونس: 64]

(11) أخرجه الترمذي (ص522، رقم 2275) كتاب الرؤيا، باب قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. وأحمد (5/ 325، رقم 22819).

(12) أخرجه ابن حبان (3/405، رقم 604). والحاكم (4/432، رقم 8174).

(13) سبق تخريجه.

(14) أخرجه البخاري (ص1214، رقم 7044) كتاب تعبير الرؤيا، باب إذا رأى ما يكره.

(15) أخرجه الترمذي (ص523، رقم 2280) كتاب الرؤيا، باب في تأويل الرؤيا، ما يستحب منها، وما يكره.

(16) [يوسف: 4]

(17) [يوسف: 5]