الحلقة (69): شبه المنكرين لحجية السنة، والرد عليهم (26)

 

علماء المصطلح وشروط قبول رواية الراوي:

هذا وقد أوضح علماء الاصطلاح الشروط التي ينبغي توفرها لقبول رواية الراوي ، يقول ابن الصلاح في ذلك: "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه،وتفصيله أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً سالماً من أسباب الفسق، وخوارم المرؤة، متيقظاً غير مغفل،حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطاً لكتابه إن حدث من كتابه، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالماً بما يحيل المعانى"(1)

وخرج بشرط العدالة : الكافر، والفاسق، والمبتدع، والصبى غير البالغ، والمجنون، والخارم للمروءة بفعل الذنوب الصغائر التى تدل على الخسة كسرقة الشئ الحقير، أو فعل المباحات التى تورث الاحتقار، وتذهب بكرامة الإنسان، كالبول فى الطريق بحيث يراه الناس، وفرط المزاح الخارج عن حد الأدب، والأكل فى الطريق، ونحو ذلك.

ولا تقبل رواية الكافر بالإجماع ، سواء أعلم من دينه الاحتراز عن الكذب أم لم يعلم، وكيف تقبل رواية من يكيد للإسلام ليل نهار، وكيف نأتمنهم على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن الله عز وجل أمرنا بالتوقف فى خبر الفاسق فى قوله تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )[ سورة الحجرات /6 ] فإذا كان الفاسق لا تقبل روايته مع صحة اعتقاده فإن الكافر لا تقبل روايته من باب أولى؛ لأن الكفر فسق وزيادة(2) .

ولا تقبل رواية صاحب البدعة إذا كفر ببدعته؛ كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحط من شأن أبى بكر وعمر- رضى الله عنهما - والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة كما قال الحافظ الذهبى(3) .

كما خرج بشرط العدالة الكذاب، أو المتهم بالكذب، فبإجماع أهل العلم لا يؤخذ حديث من كذب على النبى صلى الله عليه وسلم تغليظاً وزجراً بليغاً عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة ، بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة، فلا يقاس الكذب فى الرواية على الكذب فى الشهادة أو فى غيرها، ولا على أنواع المعاصى الأخرى(4) .

وخرج بشرط الضبط من عرف بالتساهل فى سماعه أو إسماعه، كمن لا يبالى بالنوم فى السماع منه أو عليه، أو يحدث لا من أصل صحيح مقابل على أصله أو أصل شيخه أو عرف بقبول التلقين فى الحديث، بأن يلقن الشئ فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه، أو عرف بكثرة السهو فى روايته، إذا لم يحدث من أصل صحيح، بخلاف ما إذا حدث منه فلا عبرة بكثرة سهوه، لأن الاعتماد حينئذ على الأصل لا على حفظه، أو عرف بكثرة الشواذ والمناكر فى حديثه، وكل هذا يخرم الثقة بالراوى وبضبطه(5)

وبلغ من دقة المحدثين فى تتبع صفات الراوى الثقة المقبول الرواية،تتبعهم لما يطرأ على ضبط الرواة من تغير،كمن ضعف حديثه فى بعض الأوقات دون بعض،ومن ضعف حديثه فى بعض الأماكن دون بعض، ومن ضعف حديثه عن بعض الشيوخ دون بعض(6)

وصدق الإمام الشعبى : "والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة، واخطأت مرة لعدوا على تلك الواحدة(7) .

وبالتأمل فى الضوابط والقيود الموضوعة لمعرفة من تقبل روايته ومن ترد، يتبين لك عبقرية واضعيها من علماء هذه الأمة، والدقة المتناهية فيما وضعوا من قواعد ألمت بصغائر الموضوع ودقائقه ، فكانت منهجاً دقيقاً متفرداً لم ولن تعرف له الدنيا نظيراً

          هيهات لا يأتى الزمان بمثله  ***  إن الزمان بمثله لشحيح

وتبين لك مما سبق كيف أن تلك الضوابط والقيود أخرجت أصناف الوضاعين الوارد ذكرهم فى أسباب الوضع، فلم تقبل مروياتهم، فحفظت بذلك السنة النبوية المطهرة من خبثهم ومكرهم(8)، وليس الأمر كما يصوره أعداء الإسلام من اختلاط أمرهم على المحدثين، وضياع مروياتهم فى كتب السنة الصحاح بلا تمييز‍


(1) علوم الحديث ص84 ، 85 .

(2) انظر : تدريب الراوى 1/299، وفتح المغيث للسخاوى 1/28، 314، وتوضيح الأفكار للأمير الصنعانى 2/114 - 118.

(3) ميزان الاعتدال 1/ 4، وانظر : توثيق السنة فى القرن الثانى الهجرى للدكتور رفعت فوزى ص146 وما بعدها .

(4)  الباعث الحثيث للعلامة أحمد محمد شاكر ص 85، 86، وانظر : اختلافات المحدثين والفقهاء فى الحكم على الحديث للدكتور عبد الله شعبان ص 322-355.

(5) تدريب الراوى1/339، وانظر:فتح المغيث للسخاوى 1/383-389 وتوضح الأفكار 2/255، وانظر : مقاصد الحديث فى القديم والحديث للدكتور مصطفى التازى ص 79، واختلافات المحدثين والفقهاء فى الحكم على الحديث ص402-409.

(6) انظر : تفصيل ذلك فى شرح علل الترمذى 2/552 - 672، وانظر : ضوابط الراوية عند المحدثين ص 122.

(7) تذكرة الحفاظ 1/77.

(8) انظر : مقارنة بين تطبيق شروط الحديث الصحيح عند علماء الحديث وتطبيق نفس الشروط على أسفار العهد الجديد فى كتاب منهجية جمع السنة وجمع الأناجيل للدكتورة عزية على طه ص481 - 483.



بحث عن بحث