بحث عن بحث

الوقفة السادسة: موقف المرأة الصالحة مع زوجها الداعية

لما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، وفزع لما رآه من المنظر الغريب عليه، وحال الوحي ورؤية الملك، وغطه له ثلاث مرات، خشي على نفسه، وجاء إلى زوجه، وأخبرها بما رآه، وقال: لقد خشيت على نفسي. وهنا جاء دور المرأة الصالحة الحصيفة في تسلية زوجها، وتهدئة روعه، فقَالَتْ لَهُ خَدِيجَة: «كَلاّ أَبْشِرْ، فَوَاَللَّهِ لا يُخْزِيك اللَّه أَبَدًا، وَاَللَّه إِنَّك لَتَصِل الرَّحِم، وَتَصْدُق الْحَدِيث، وَتَحْمِل الْكَلَّ، وَتَكْسِب الْمَعْدُوم، وَتَقْرِي الضَّيْف، وَتُعِين عَلَى نَوَائِب الْحَق». قال ابن حجر: «قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَى كَلام خَدِيجَة ل: إِنَّكَ لا يُصِيبك مَكْرُوه؛ لِمَا جَعَلَ اللَّه فِيك مِنْ مَكَارِم الأَخْلاق، وَكَرَم الشَّمَائِل. وَذَكَرَتْ ضُرُوبًا مِنْ ذَلِكَ، وَفِي هَذَا دَلالَة عَلَى أَنَّ مَكَارِم الأَخْلاق وَخِصَال الْخَيْر سَبَب السَّلامَة مِنْ مَصَارِع السُّوء. وَفِيهِ مَدْح الإِنْسَان فِي وَجْهه فِي بَعْض الأَحْوَال لِمَصْلَحَةٍ. وَفِيهِ تَأْنِيس مَنْ حَصَلَتْ لَهُ مَخَافَة مِنْ أَمْر، وَتَبْشِيره، وَذِكْر أَسْبَاب السَّلامَة لَهُ. وَفِيهِ أَعْظَم دَلِيل وَأَبْلَغ حُجَّة عَلَى كَمَال خَدِيجَة ل, وَجَزَالَة رَأْيهَا, وَقُوَّة نَفْسهَا, وَثَبَات قَلْبهَا, وَعِظَم فِقْههَا. وَاَللَّه أَعْلَم«.

إن وجود زوجة صالحة نعمة عظيمة من الله تعالى، ومنة جليلة، وخديجة رضي الله عنها قد ساعدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحرج الأوقات، وآزرته كل المؤازرة في إبلاغ رسالة ربه، وواسته بنفسها ومالها طيلة الحياة الزوجية معه صلى الله عليه وسلم، وقد قامت بجميع حقوق الزوج خمسًا وعشرين سنة؛ خمس عشرة سنة قبل النبوة وعشر سنوات بعد أن شرفه الله سبحانه بالنبوة، ولذا لما توفيت خديجة رضي الله عنها خيّم عليه الحزن الشديد، وكان يذكرها كثيرًا حتى بعد سنوات عدة.

فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ، قَالَتْ: فَغِرْتُ يَوْمًا فَقُلْتُ: مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا. قَالَ: مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا؛ قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلادَ النِّسَاءِ«(1).

قَالَ الْقُرْطُبِيّ -كما في الفتح-: «كَانَ حُبّه صلى الله عليه وسلم لَهَا لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْره مِن الأَسْبَاب, وَهِيَ كَثِيرَةٌ, كُلٌّ مِنْهَا كَانَ سَبَبًا فِي إِيجَاد الْمَحَبَّة. وَمِمَّا كَافَأَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بِهِ خَدِيجَة فِي الدُّنْيَا: أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّج فِي حَيَاتهَا غَيْرهَا , فَرَوَى مُسْلِم مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: «لَمْ يَتَزَوَّج النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى خَدِيجَة حَتَّى مَاتَتْ». وَهَذَا مِمَّا لا اِخْتِلاف فِيهِ بَيْن أَهْل الْعِلْم بِالأَخْبَارِ, وَفِيهِ دَلِيل عَلَى عِظَمِ قَدْرهَا عِنْده، وَعَلَى مَزِيد فَضْلهَا؛ لأَنَّهَا أَغْنَتْهُ عَنْ غَيْرهَا، وَاخْتَصَّتْ بِهِ بِقَدْرِ مَا اِشْتَرَكَ فِيهِ غَيْرهَا مَرَّتَيْنِ؛ لأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم عَاشَ بَعْد أَنْ تَزَوَّجَهَا ثَمَانِيَة وَثَلاثِينَ عَامًا اِنْفَرَدَتْ خَدِيجَة مِنْهَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا، وَهِيَ نَحْو الثُّلُثَيْنِ مِن الْمَجْمُوع, وَمَعَ طُول الْمُدَّة فقد صَانَ قَلْبهَا فِيهَا مِن الْغَيْرَة، وَمِنْ نَكَد الضَّرَائِر الَّذِي رُبَّمَا حَصَلَ لَهُ هُوَ مِنْهُ مَا يُشَوِّش عَلَيْهِ بِذَلِكَ, وَهِيَ فَضِيلَة لَمْ يُشَارِكهَا فِيهَا غَيْرهَا.

وَمِمَّا اِخْتَصَّتْ بِهِ: سَبْقهَا نِسَاء هَذِهِ الأُمَّة إِلَى الإِيمَان, فَسَنَّتْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ آمَنَتْ بَعْدهَا, فَيَكُون لَهَا مِثْل أَجْرهنَّ, وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِي هَذِهِ الأَحَادِيث دَلالَة لِحُسْنِ الْعَهْد، وَحِفْظ الْوُدّ, وَرِعَايَة حُرْمَة الصَّاحِب وَالْمُعَاشِر حَيًّا وَمَيِّتًا, وَإِكْرَام مَعَارِف ذَلِكَ الصَّاحِب«.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه أحمد في باقي مسند الأنصار (24343).