بحث عن بحث

الأخوة في الدين

عن أبي هريرة رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا».

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته».

وعن معاوية رضي الله عنه  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس».

©  أهمية الأحاديث:

هذه الأحاديث تتعلق بمبدأ عظيم حرص عليه الإسلام، ورسخ قواعده ووجه إلى تطبيقها، تلكم هي علاقة المسلم بأخيه المسلم، القائمة على الأخوة في الدين، وعلى الرحمة والمودة والمحبة، وعدم تعريضها لما يخدشها أو يقطعها أو يؤثر عليها تأثيرًا سلبيًّا.

©  مسائل الأحاديث:

1-   من المعلوم من الدين بالضرورة أن الإسلام أقام تشريعًا متكاملًا شاملًا يلبي حاجات الإنسان ومتطلباته، وينظم علاقاته بالله تعالى وعلاقاته مع الناس.

والعلاقة مع الناس قائمة على أساس ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأفعال، بمعنى أنها قائمة لله تعالى وفي الله.

أ – شجع الإسلام تشجيعًا منقطع النظير على أهمية الأخوة في الدين والمحبة والمودة فيما بينهم، كما في حديث النعمان بن بشير م، وقد تضافرت النصوص القرآنية والنبوية على ترسيخ هذا المفهوم الكبير قولًا وفعلًا، ومن ذلكم قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]. وقوله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67]. وقوله تعالى مخاطبًا رسوله: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88].

ومن النصوص النبوية ما رواه أبو موسى رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» وشبك بين أصابعه.

قال القرطبي :: «هذا تمثيل يفيد الحض على معاونة المؤمن للمؤمن ونصرته، وأن ذلك أمر متأكد لابد منه، فإن البناء لا يتم ولا تحصل فائدته إلا بأن يكون بعضه يمسك بعضًا ويقويه، وإن لم يكن ذلك انحلت أجزاؤه، وخرب بناؤه، وكذلك المؤمن لا يستقر بأمر دنياه ودينه إلا بمعاونة أخيه ومعاضدته ومناصرته، فإن لم يكن ذلك عجز عن القيام بكل مصالحه، وعن مقاومة مضاره، فحينئذٍ لا يتم له نظام دنياه ولا دينه، ويلحق بالهالكين».

عن ابن عمر م أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه – يعني إلى عدوه- من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة».

وروى أنس رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه  أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا بيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله، التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره – ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه».

ب- وقد أكد القدوة صلى الله عليه وسلم  عمليًّا هذا المبدأ العظيم وتمثله في حياته مع صحابته وسائر أمته، فعن عائشة ك قالت: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ليدع العمل، وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم». كل ذلك رأفة بالناس وشفقة عليهم.

وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه  أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أطول منها، فأسمع بكاء صبي، فأتجوز في صلاتي – أي أخففها – كراهية أن أشق على أمه».

ج- ولعظم هذا المبدأ جعله الرسول صلى الله عليه وسلم  من المبادئ التي أقام عليها مجتمع المدينة عندما هاجر إليها، فآخى بين المهاجرين والأنصار، حتى وصل الأمر إلى درجة أن يتنازل الأنصاري لأخيه المهاجري عن شطر ماله أو بعضه، وأن يطلّق إحدى زوجاته لكي يتزوجها، فأنزل الله فيهم: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

2-   مع ترسيخ هذا المبدأ حذر الإسلام من كل ما يقطع هذه الأخوة أو يخدشها صغيرًا كان أو كبيرًا. فجاءت النصوص العظيمة في التحذير من تلك الآفات الخطيرة التي تؤثر على هذا المبدأ مثل: الظن الكاذب، الغيبة، النميمة، البهتان، السباب والشتائم، والحسد، والحقد، والبغضاء وغيرها...

أ – ففي التحذير من الظن الكاذب ما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

ب- وفي التحذير من الغيبة، وهي ذكرك أخاك بما يكره كأن تصفه بأوصاف مشينة، أو تخدش عرضه، أو تبين عيبًا فيه لا داعي لذكره ولو بالإشارة أو التلميح، وقد جاء في التحذير منها خاصة نصوص كثيرة منها قوله تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12]. ومن ذلك ما روته عائشة ك أنها قالت قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : حسبك من صفيّة كذا وكذا. قال بعض الرواة: تعني قصيرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته».

ولا شك أن الغيبة باب من أبواب فساد العلاقات وتخريبها، وتجر من المفاسد الأخرى أمورًا كثيرة، كإشاعة المعايب، وخدش الأعراض، وتعرض الألسنة للكلام البذيء وغيرها.

ج- وفي التحذير من السباب والشتائم، ما رواه الشيخان عن أبي زيد ثابت بن الضحاك رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «لعن المؤمن كقتله». وروى الترمذي وغيره بإسناد حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه  أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش البذيء».

د- وفي النهي عن الحسد والحقد والبغضاء الأحاديث الكثيرة، ومنها ما سقناه في الفقرة الثانية.

والخلاصة أن كل ما يعرض الأخوة الإسلامية والمحبة والمودة والصفاء للقطيعة أو التعكير فقد حذر منه الإسلام ونفر منه، ورتب عليه العقوبة.

3-   إن التعامل بالأخوة الإسلامية والبُعد عما يشينها أو يقطعها يورث آثارًا حميدة جليلة في الدنيا والآخرة، فتصفو العلاقات بين الناس، وتعمر الأرض بالخيرات، ويتجه الناس إلى البناء والتعمير، وتقوى الروابط الودية، ويشيع الخير، ويقل الشر.

بالإضافة إلى ما أعدّه الله سبحانه للمتحابين فيه من نور يوم القيامة، ومحبة الله لهم، روى أنس رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار».

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى يقول: أين المتحابون بجلالي، أظلهم اليوم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي». وغير ذلك مما لا يخفى من النصوص.