بحث عن بحث

التقوى

عن أبي ذر رضي الله عنه  قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالِقِ الناسَ بخلق حسن».

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء».

©  أهمية الحديثين:

يتحدث هذان الحديثان عن موضوع التقوى، فالحديث الأول: يوجه فيه الرسول صلى الله عليه وسلم  إلى أن يتمثل المسلم هذه التقوى في أي مكان وأي زمان.

والحديث الثاني: يوجه فيه الرسول صلى الله عليه وسلم  إلى اتقاء إغراءات الدنيا، وما فيها من زخرفة وشهوات ورغبات.

ولأهمية هذه التقوى نفصلها في الفقرات الآتية:

1ــــ المراد بالتقوى:

التقوى: أن تجعل بينك وبين ما يضرك وقاية تحول بينك وبينه.

وتقوى الله: أن تفعل ما يأمرك به، وتجتنب ما ينهاك عنه، فلا يجدك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.

يقول ابن عباس م: «المتقون الذين يحذرون من الله وعقوبته».

ويقول ابن مسعود رضي الله عنه  في تعريف للتقوى: «أن يطاع الله فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر».

ويقول طلق بن حبيب :: «التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله».

ويقول الشاعر ابن المعتز:

خل الذنوب صغيرها
واصنع كماشٍ فوق
لا تحقرن صغيرة

  وكبيرها فهو التقى
أرض الشوك يحذر ما يرى
إن الـجبـال من الـحصـى

2 ـــ أهمية التقوى:

لعظم أمر هذه التقوى فقد وصّى الله تعالى بها الأولين والآخرين فقال: {وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].

وأمر بها سبحانه في مواضع عديدة من كتابه بصيغ متعددة فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿1 يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 1- 2].

ولأهميتها فقد أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم  كما في حديث أبي ذر ط السابق.

وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه  أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يخطب في حجة الوداع، ويقول: «اتقوا ربكم وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم تدخلوا جنة ربكم».

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  قال: قلت: يا رسول الله أوصني. قال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليكم بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام».

وكان صلى الله عليه وسلم  إذا بعث أميرًا على سرية أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين.

ولأهميتها: تواصى بها السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فلما حضرت أبا بكر الوفاة وعهد إلى عمر بن الخطاب م دعاه وأوصاه، وكان مما قال له: «اتق الله يا عمر».

وعمر بن الخطاب يكتب إلى ابنه عبد الله م ويقول: «أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله» فإن من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نصب عينيك وجلاء قلبك».

وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه  إلى رجل فقال: «أوصيك بتقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياكم من المتقين».

3- من ثمرات التقوى:

للتقوى ثمرات عظيمة، وعواقب حميدة، وآثار جليلة، منها:

أ- أنها سبب لتيسير أمور العبد في هذه الحياة الدنيا، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴿5 وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴿6 فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل: 5 – 7] وقال سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4].

ب- وهي سبب لفتح البركات من السماء والأرض، وحصول الأرزاق للأفراد والمجتمعات، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96]. ويقول سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 – 3].

ج- وهي سبب للتوفيق في هذه الحياة، وبها ينال المرء ولاية الله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: 28]. ويقول سبحانه: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} [الأنفال: 34].

د- وبالتقوى يحفظ العبد من كيد الكائدين وضرر الكافرين والفاسقين والحاسدين يقول تعالى: {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120].

هـ - وبالتقوى ينال العلم وتحصل بركته، يقول تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282].

و- وبالتقوى تنال رحمة الله، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156].

ز- وبالتقوى يحصل الفوز والفلاح والنجاة يوم القيامة، ويزحزح أصحابها عن النار، ويدخلون الجنة، قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52]. ويقول سبحانه: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴿71 ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 71 – 72]. ويقول سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]. ويقول جل وعلا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق: 5].

ح- ومن أهم ثمرات التقوى حصول البشرى والاطمئنان في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿63 لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 63 – 64].

4- من صفات المتقين:

ذكر الله تعالى عددًا من صفاتهم في عدد من الآيات، قال تعالى: {آلم ﴿1 ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴿2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿3 وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿4 أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 1- 5].

ويقول سبحانه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

ويقول سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿133 الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿134وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 133 – 135].

فيتلخص من هذه الآيات الكريمات أن من صفات المتقين:

أ – الإيمان بالغيب، ويشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.

ب- إقامة الشعائر التعبدية؛ كالصلاة والصيام إقامة ظاهرة بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها، وإقامة باطنة بحضور القلب حال أدائها.

ج- الإنفاق في سبيل الله من الأرزاق التي منحها الله لعبده في السراء والضراء.

د- الصبر حال البأس والشدة، وحال الرخاء واليسر، صبر على طاعة الله تعالى، وصبر عن مقارفة المعاصي، وصبر على الشدائد بأنواعها.

هـ - التخلق بالأخلاق الحسنة إلى أن تبلغ هذه الأخلاق درجة ضبط عواطف الإنسان وكبح نزواته، وتحمل سيئات الآخرين.

و- ومن صفاتهم أيضًا أنهم رجاعون توابون لما يبدر منهم من أخطاء، فسرعان ما يستغفرون، ويندمون على خطئهم، غير معجبين بأعمالهم أو بأنفسهم. يقول الشاعر:

وإذا بحثت عن التقي وجدته
وإذا اتقى الله امرؤ فأطاعه

  رجلًا يصدق قوله بفعالي
فيداه بين مكارم ومعالي

5 ـــ ومما أفاده الحديثان:

أ- أن يتقي العبد ربه حيث كان، في بيته وشارعه ومدرسته وميدان عمله، وسواء كان مقيمًا أم مسافرًا، يراه الناس أو لوحده.

ب- أنه إذا وقع في معصية أو زلت قدمه فعليه أن يعمل حسنة بعدها لأجل أن تمحوها، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114].

ج- عدم الاغترار بالدنيا وزينتها وزخارفها فلا تغر الإنسان وتلهيه عن الله تعالى.

د- أن الفتنة في النساء عظيمة، وقد وضع الإسلام منهجًا متكاملًا للعلاقة بين الرجل والمرأة، فيجب على المسلم أن يتمشى على هذا المنهج القويم ويبتعد عن مواطن الزلل، ومحل الشبهات.