بحث عن بحث

منهج القرآن الكريم والسنة في تقرير قاعدة الموازنة بين الترغيب والترهيب:

أولاً: الجمع بين الأسلوبين:

1- في القرآن الكريم:

بأسلوب الترغيب والترهيب اهتمامًا بالغًا، فإذا ما ذُكِرت الجنة أتبعها الله سبحانه بذكر النار.. وإذا ما ذكر العذاب.. أتبعه بذكر الرحمة والنعيم، وقد يكون هذا في آيات متتالية وقد يكون في الآية الواحدة.

واهتمام القرآن بإثارة دوافع الناس بترغيبهم في الثواب الذي سيحظى به المؤمنون في نعيم الجنة، إنما يبعث في المسلمين الأمل في الحصول على هذا النعيم، ويدفعهم إلى التمسك بالتقوى، والإخلاص في أداء العبادات، والعمل الصالح، والجهاد في سبيل الله، وعمل ما يرضى الله ورسوله، آملين أن يكونوا من أهل الجنة.

والآيات التي تصف عذاب جهنم تبعث فيهم الرهبة من هذا العذاب الأليم الذي ينتظر الكافرين والمنافقين والعاصين لأوامر الله تعالى، ويدفعهم ذلك إلى الابتعاد عن ارتكاب الذنوب والمعاصي وكل ما يغضب الله ورسوله، آملين أن ينجيهم الله من عذاب جهنم.

وهكذا يكون المسلم متأثرًا بدافعين قويين، الرجاء في رحمة الله يدفعه إلى القيام بالعبادات والتكاليف وكل ما يأمره به الشرع.

والخوف من عذاب الله يدفعه إلى تجنب القيام بالذنوب والمعاصي وكل ما ينهى عنه الشرع.

وشعور الإنسان بهذين الدافعين القويين المتكاملين والمتفقين في الغاية يجعلانه في حالة استعداد تام.

ويلاحظ أن القرآن لا يعتمد فقط في إثارة الدافع لقبول الإسلام والتسليم بأحكامه على تخويف الناس وترهيبهم من العذاب الأليم في نار جهنم، وإنما يعتمد أيضًا في نفس الوقت على ترغيبهم في الاستمتاع بنعيم الجنة.

وذلك لأن استخدام الترهيب وحده، أو الترغيب وحده قد لا يكون مفيدًا الفائدة المرجوة في تعديل السلوك وتوجيهه، فاستخدام الترهيب وحده قد يؤدي إلى طغيان الرهبة على النفس فتيأس من رحمة الله، واستخدام الترغيب وحده قد يؤدي إلى استيلاء الأمل في رحمة الله على النفس مما قد يوكلها إلى الدعة والتهاون والغفلة.

لذلك فإن القرآن لا يعتمد على الترهيب فقط، أو الترغيب فقط، وإنما يعتمد على مزيج منهما، الخوف من عذاب الله، والرجاء في رحمته وثوابه، والأمثلة في هذا الباب كثيرة:

قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴿24 وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة : 24 – 25].

وقال تعالى: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 81].

وقال تعالى: ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴿196 مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿197 لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾       [آل عمران 196-198].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿56 وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 56 – 57].

وقال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿9 وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾  [المائدة: 9 – 10].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴿74 وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا ﴾ [طه: 74-75].

وقال تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿50 وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [الحج: 50 – 51].

وقال تعالى: ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿56 وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [الحج: 56-57].

وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴿14 فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴿15 وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴾ [الروم: 14 – 16].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿13 وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾    [الانفطار: 13 -14].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴿6 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴿7 جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [البينة: 6 – 8].

وهكذا نجد التمازج بين الترغيب والترهيب، التشويق والتحذير، الخوف والرجاء شائعًا في جنبات القرآن الكريم، وهو ما يفسر به وصف القرآن الكريم بأنه «مثاني».

قال تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ﴾ [الزمر: 23].

قال الشيخ السعدي : «مثاني»: «أي تثنى فيه القصص والأحكام، والوعد والوعيد، وصفات أهل الخير، وصفات أهل الشر، وتثنى فيه أسماء اللّه وصفاته، وهذا من جلالته، وحسنه، فإنه تعالى، لما علم احتياج الخلق إلى معانيه المزكية للقلوب، المكملة للأخلاق، وأن تلك المعاني للقلوب، بمنزلة الماء لسقي الأشجار، فكما أن الأشجار كلما بعد عهدها بسقي الماء نقصت، بل ربما تلفت، وكلما تكرر سقيها حسنت وأثمرت أنواع الثمار النافعة، فكذلك القلب يحتاج دائما إلى تكرر معاني كلام اللّه تعالى عليه، وأنه لو تكرر عليه المعنى مرة واحدة في جميع القرآن، لم يقع منه موقعا، ولم تحصل النتيجة منه».

2- في السنة النبوية:

لقد حفلت كتب السنة النبوية بالكثير من أحاديث الترغيب والترهيب والخوف والرجاء، بل قد خُصِّصت كتب للترغيب والترهيب تعد مرتكزًا مهمًا للتأثير في النفس واستقامة السلوك، وهذه بعض النماذج في هذا المجال.

روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد . ...» قال: «ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد».

وفي هذا تنبيه للمؤمن أن لا يغتر بالرجاء ويترك الخوف فيدعوه ذلك إلى التكاسل عن الطاعات، وترغيب للكافر أن يبادر إلى الإيمان وألا يقنط من رحمة الله سبحانه مهما بدر منه، فالإيمان يجب ما قبله، ولعل هذه الومضة من الرجاء تنير قلبه وتكون سببًا في هدايته.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه وهم يضحكون فقال : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فأتاه جبريل فقال: إن الله يقول لم تقنط عبادي»، قال: فرجع إليهم فقال : «سددوا وقاربوا وابشروا».

قال أبو حاتم: «سددوا»: يريد به كونوا مسددين والتسديد لزوم طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، وإتباع سنته، وقوله: «وقاربوا»: يريد به لا تحملوا على الأنفس من التشديد ما لا تطيقون، وأبشروا فإن لكم الجنة إذا لزمتم طريقتي في التسديد وقاربتم في الأعمال.

روى الترمذي من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك؟» قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف».

يقول ابن القيم: «القلب في سيره إلى الله ـ عز وجل ـ بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف، والرجاء جناحاه؛ فمتى سلم الرأس والجناحان  فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضه لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف».

ولا شك أن الموازنة بين الترغيب والترهيب في الدعوة مردها إلى فطنة الداعي وكياسته وحكمته وبصره بما يحتاج الموقف، هل هو تغليب الترغيب على الترهيب أو العكس أو التوازن بينهما، وهذا المنهج درج عليه القرآن والسنة، فتارة نجد ترغيبًا فقط وتارة نجد ترهيبًا فقط وتارة ثالثة فمجد المزج بينهما، وإذا كان ما قدمناه من نصوص السنة يشهد للمزج بينهما فهذه أمثلة للترغيب وأخرى للترهيب.

ثانيًا: ذكر الترغيب فقط:

روى البخاري عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة».

وروى البخاري أيضًا عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها».

وروى البخاري أيضًا عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلًا في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا».

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه».

مما لا شك فيه أن من يطلع على هذه الأحاديث – وهناك غيرها – تتحول حياته الدنيا إلى نعيم يرسم الابتسامة على الوجه، حتى ولو انعدمت كل أسباب الحياة المادية للمؤمنين بها، لأنها حياة تستحق أن يعيشها حتى  يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، لأنه عرف أن الدنيا زائلة فانية، وأن الآخرة هي الباقية ومن ثم دنياه مجرد معبر إلى هذه الآخرة فعاش فيها بروح المرتحل المتطلع إلى جنة الخلد.

وهكذا يكون الترغيب وسيلة ضاغطة ودافعة باتجاه الخير، والسلوك الحسن، وابتغاء رضي الله تعالى في كل عمل يفعله المرء، حرصًا منه على نيل المرغّب فيه، وخشية من فواته، لاسيما وأنه لا مثيل له ولا تعدله لذة مهما بلغت.

ولقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا في تربية أصحابه في مواقف متعددة من سيرته، فكان أن ضحوا بكل غالٍ ونفيس من أجل الحصول على مرضات الله سبحانه وتعالى والفوز بالجنة.

ففي غزوة بدر وقف يرفع من معنويات جنوده، فوعدهم بنصر الله، وبشرهم بالجنة وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة».

لقد كان لتلك الكلمات المرغبة المحفزة المشوقة أثرها العظيم في إقبال المؤمنين على المعركة وتفانيهم في خوضوها حتى قال عمير بن الحمام حينما سمع ذلك من الرسول صلى الله عليه وسلم وفي يده تمرات يأكلهن: بخٍ بخٍ، أفما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه فقاتل القوم  وهو يقول:

ركضا إلى الله بغير زاد
والصبر في الله على الجهاد

  إلا التقى وعمل المعاد
وكل زاد عرضه النفاد

غيــر التـقى والبـر والرشـاد

ثالثًا: ذكر الترهيب فقط:

- روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل، ورجل بايع رجلا سلعة بعد العصر فحلف بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفّى له، وإن لم يعطه منها لم يف».

إن هذه السلوكيات الخاطئة - التي يقررها الحديث - والتي قد يوجد في المجتمع المسلم من يفعلها ويجترئ على تكرارها، لا شك أنها تحطم المجتمع المسلم، وتفقده كل قيم الخير وفضائل الأعمال، وكان لا بد من زجر شديد ووعيد مخيف، يوقظ قلب هذا المجترئ الجاني، يجعله أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الحرمان من نظر الله تعالى إليه ورحمته ومغفرته، وإما ترك هذا العمل المشين المخل بالمروءة والسلوك الصحيح.

إن الموعظة الحسنة والترفق مع أمثال هؤلاء الذين فقدوا القيم الفاضلة والأخلاق الحميدة لا تجدي نفعًا معهم، لأن بذل الماء والوفاء بالعهد والصدق من شيم حتى بعض من لا دين له، لأن من فعل مثل فعلهم فإنما فعله بدافع اللؤم وسقوط المروءة، فكان لابد له من هزة عنيفة قوية، وطرقة شديدة لعلها توقظ قلبه الغافل، وتنشله من حمأة اللؤم والأنانية إلى السلوك الصحيح القويم.

- وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، إلا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة».

وهذا الحديث دليل واضح على دور الترهيب في تزكية النفس وتقويم اعوجاجها، فمن خاف الليل الحالك في المكان الموحش أسرع السير من أول الليل ليدرك مأمنه، ولو أنه تباطأ وتقاعس لحلت به الندامة واجتمعت عليه المخاوف واشتدت ظلمة الليل فلم يعد يستطيع المسير، وكذلك العبد الموفق الذي يسير في طريق الآخرة ينبغي عليه أن يستحث الخطأ ليبلغ منزلة في الجنة، وأن يهرب من المعاصي ويحذر من مكائد الشيطان ويجاهد نفسه على طاعة الله، ليحظى بالجنة التي هي غالية الثمن ولا تنال إلا بالجهد والبذل ودوام لخشية من المولى سبحانه.

وعليه فلابد فيه من ميزان دقيق لئلا يؤدي إلى اليأس من رحمة الله سبحانه.

يقول الإمام ابن القيم: «الخوف المحمود الصادق هو ما حال بين صاحبه وبين محارم الله - عز وجل - فإذا تجاوز ذلك خِيْفَ منه اليأس والقنوط».