بحث عن بحث

من توجيهات السنة إلى الائتلاف وعدم الاختلاف:

دعت السنة النبوية إلى الجماعة والوحدة، وحذرت من الشذوذ والفرقة، والأحاديث في هذا كثيرة وفيرة، ومنها:

1- روى الترمذي عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية «اسم موضع» فقال: [يا أيها الناس إني قمت فيكم مقام رسول الله فينا، فقال: «أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ...عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة»).

2- وروي عن ابن عمر أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ إلى النار».

قال الطيبي: «ويد الله على الجماعة ....» أي: هو ناصرهم ومصيرهم غالبين على من سواهم فينبغي لمن ينتمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يفارقهم ومن فارقهم فقد خلع ربقة الطاعة من عنقه وخرج عن نصرة الله فدخل النار.

ولقد حذرت السنة النبوية أبلغ التحذير وأشده من الأسباب التي تؤدي إلى الفرقة مثل التباغض والتهاجر، والتشاحن وفساد ذات البين.

3- روى البخاري ومسلم من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث ليال».

4-‏ روى الترمذي عن ‏أبي الدرداء رضي الله عنه ‏‏قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: «‏‏ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «إصلاح ‏ ‏ذات البين ‏ ‏وفساد ‏ ‏ذات البين ‏ ‏الحالقة»، قال الترمذي: ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين».

بل نجد من كراهية السنة للفرقة والاختلاف أن رسول الله يأمر بالانصراف عن قراءة القرآن إذا خشي من ورائها أن تؤدي إلى الاختلاف.

5- روى البخاري ومسلم من حديث جندب بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه»، أي تفرقوا وانصرفوا لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر.

فرغم ما هو معلوم لكل مسلم من فضل قراءة القرآن، وأن لقارئه بكل حرف عشر حسنات، لم يأذن بقراءته إذا أدت إلى التنازع والاختلاف.

سواء كان الاختلاف: في القراءة وكيفية الأداء، فأمروا أن يتفرقوا عند الاختلاف، ويستمر كل منهم على قراءته، كما ثبت فيما وقع بين عمر وهشام، وبين ابن مسعود وبعض الصحابة ن أجمعين وقال: كلاكما محسن.

أم كان الاختلاف في فهم معانيه، فالمعنى: اقرؤوه وألزموا الائتلاف على ما دل عليه، وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف، أو عرض عارض شبهة تقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق، فاتركوا القراءة وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة، وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة، وهو كقوله في الحديث الآخر: «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم».

وفي هذه الأحاديث ـ كما قال الحافظ ابن حجر ـ الحض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف، والنهي عن المراء في القرآن بغير حق.

إن الاجتماع وعدم التفرق مقصد سامٍ من المقاصد الشرعية، ومن هنا عظم أمر الإجماع في الشريعة وجعل مصدرًا من مصادر التشريع بل ومصدر قطعي.