بحث عن بحث

على الدعاة مراعاة الأولويات:

المراد بمراعاة الأولويات معرفة مراتب الأعمال ووضعها في مواضعها، فإن المنهج الإسلامي قد جعل لكل عمل قدرًا، فإماطة الأذى وإن كانت من الإيمان فإنها في الرتبة الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم : «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناه: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».

«ولا إله إلا الله» يقاتل لأجلها كما أخبر الرسول الكريم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» وإماطة الأذى لا يمكن أن تكون سببًا لقتال بل هي دون ذلك بكثير ويكفي فيها نصح ووعظ، ولا يمكن المساواة بينهما ، في الدعوة إليهما والبذل في سبيل تحقيقهما.

وهذا ظاهر في بيان تفاوت عدد من الأعمال فيما تضمنه قوله تعالى:     ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿19 الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [التوبة : 19 – 20].

ولا بد للداعي أن يعلم أن الأصول لا بد أن تقدم على الفروع، والفروض تقدم على النوافل، وفروض الأعيان مقدمة على فروض الكفايات، وفروض الكفايات التي فيها عجز ظاهر أولى من التي انتدب لها غيره من المسلمين.

اتجاهان للتأمل:

وقبل أن نختم هذه الكلمات أشير إلى اتجاهين في الدعوة مما يتعلق في القضايا الكلية والجزئية يحسن تأملهما، والنظر فيهما بعد أن تقرر أن الدين مراتب وتراعى فيها الأولويات:

الاتجاه الأول: ينظر هذا الاتجاه إلى أن يركز العمل الدعوي على القضايا الكبرى، التي تهم عامة المسلمين مثل قضايا الاعتداءات على المسلمين، وعلى وحدة المسلمين، وعلى الغزو اليهودي والصليبي، وعلى مشكلات العالم الإسلامي في تفرقه، وعلى المذاهب الإلحادية، والعلمانية، وعلى المشكلات الاقتصادية وغيرها.

وغالبًا ما يسفّه هذا الاتجاه النظر للقضايا العقدية، والسلوكية، والأخلاقية وبخاصة إذا كان من عمل الأفراد وأخطائهم.

ويحتج هذا الاتجاه بأن النظر في هذه القضايا الجزئية – كما ينظر إليها – يعطل النظر في تلك القضايا الكبرى، ومن ثم يكون عاملًا من عوامل تأخير المسلمين عن ركب الحضارة، ولا تؤتى الدعوة ثمارها.

ولذلك نجد هذا الاتجاه يركز – غالبًا – على القضايا السياسية العامة، ولا يراعى القضايا العقدية، والأخلاقية، والسلوكية.

الاتجاه الثاني: وهو عكس الاتجاه الأول، فهو يركز نظرته إلى قضايا الفرد، العقدية، والأخلاقية، ويهتم بها، ويعيش لنشر الصحيح منها، وينكر المخالف منها. دون النظر إلى تلك القضايا التي نظر إليها الاتجاه الأول، أو يجعلها على الأقل في درجة تالية.

وطبيعة هذا الاتجاه أيضًا يخطئ ذلك المنهج، وينظر إليه على أنه منهج منحرف، أخطأ الطريق، وجانب الصواب.