بحث عن بحث

التوازن بين خطاب العقل والعاطفة:

أولاً: التوازن بين خطاب العقل والعاطفة في القرآن الكريم:

ونظرًا لأهمية هذا التوازن بين العقل والعاطفة، فقد جاء القرآن الكريم متوازنًا توازنًا بديعًا في هذا الشأن، فقد تضمن الأسلوب القرآني هذين الأمرين.

فانظر إلى هذه النصوص، وهي تطرح البرهان، وتثير العقل.

﴿ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴿21﴾ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: 21 – ﴾].

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 42].

﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35].

﴿ يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿65 هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿66 مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 65 – 67].

فما أبدعها من إلزامات عقلية، وما أصدقها من براهين فكرية تخضع لها العقول الصحيحة، ويسلّم لها الفكر السليم، لينظر إلى الجانب الثاني، جانب النصوص التي تثير وجدان الإنسان، وتحرك عاطفته، بأسلوب رقيق، وعبارات مؤثرة.

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿53 وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴿54 َاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الزمر: 53 – 55].

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 16].

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾ [النساء: 147].

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 27].

﴿ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴿66 وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ﴿67 وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿68 وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴿69 ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء: 66 – 70].

ومن جميل ما تضمنه القرآن الكريم: أن يحوي النص الواحد على ما يثير العقل، ويحرك العاطفة جميعًا، ومن ذلك:

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴾ [القصص: 71].

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾ [الأنعام: 46].

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾ [الملك: 30].

ففي هذه الآيات تحريك للعقل بقوله: ﴿قل أرأيتم﴾ أي: ما رأيكم؟ وهو تحريك للعقل، وإثارة للفكر- كيما يحمله هذا الأمر على التفكير، ويدفعه إلى التفكير، فيما لو حصل ما نبه الله إليه، من استدامة الليل، أو استدامة النهار، الأمر الذي يدفعه إلى مزيد من الإيمان، ومزيد من شكر الله على نعمه.

ثم كان طرح الأمر طرحًا مثيرًا للعاطفة، يدفع إلى الخوف من الله أن يجعل: ﴿اللَّيْل سَرْمدًا﴾، ﴿النَّهَار سَرْمدًا﴾.. ﴿أخذ السمع﴾، ﴿أخذ البصر﴾.. ﴿ختم القلب﴾، ﴿غور الماء﴾.

وفي هذا: تحريك للقلوب وخشية الرحمن، والالتجاء إليه، والإيمان بربوبيته، وأنه بيده كل شيء وهو قادر على كل شيء، والإيمان بألوهيته حتى يعبد وحده، ولا يلجأ إلى أحد سواه.

وتأمل قوله تعالى: ﴿ أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ [النمل: 62].

ففيها أيضًا جمع بين خطاب العقل، ومناجاة القلب؟

ففي قوله تعالى: ﴿ أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ ﴾، وقوله: ﴿ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ محاكاة عقلية، وقضية فكرية، فإذا لم يكن يستطيع ذلك إلا الله، فلم اللجوء إلى غيره؟!.

فهل لكم عقول تفكر؟ أو قلوب تعقل؟ أيكون مع هذا الإله العظيم الذي هو على كل شيء قدير آلهة ضعفاء يرون ما أخذ الله منكم، أو يحبونكم إن لم يحببكم الله؟.

ومن خلال هذا الطرح العقلاني، يسوق الله ذلك بأسلوب عاطفي، يناجي به القلوب، ويحرك به الوجدان.

فذكر الله في خطابه «المضطر» و «كشف السوء» و«الدعاء» فيه مخطابة للأفئدة، ومناجاة للعاطفة، لأن الاضطرار، وكشف الضرر، تتأثر بها القلوب، ويستفيض لها الوجدان.

وبالجملة فلا يوجد في الدنيا كتاب يجمع بين هذين الطرفين معًا سوى القرآن الكريم، يأتي بالحقيقة ويحرك الوجدان والعاطفة.

ذلك أن الله رب العالمين، فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن، وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معا بلسان، وأن يمزج الحق والجمال معا يلتقيان ولا يبغيان، وأن يخرج من بينهما شرابًا خالصًا سائغًا للشاربين، وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت وقرأت وتدبرت.

ثانياً: التوازن بين العقل والعاطفة عند الرسل:

وكذلك نهج الرسل عليهم الصلاة والسلام هذا المنهج العظيم، منهج الموازنة في الخطاب بين العقل والعاطفة.

فانظر إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو يجمع بين مخاطبة القلب والعقل، إذ يقول: ﴿ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: 42].

ففي قوله: ﴿يا أبت﴾: مخاطبة للقلب، وإثارة للعاطفة.

وفي قوله: ﴿لـم تعبد مالا يسمع ولا يبصر..﴾ خطاب للعقل، وحض على التفكير.

ويقول يوسف عليه الصلاة والسلام لمن معه في السجن: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿39 مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 39 – 40].

وقد تضمن هذا الأسلوب عاطفة، وعقلانية، وتقريرًا.

ففي قوله صلى الله عليه وسلم: ﴿يا صاحبي السجن﴾ عاطفة، إذ لم يجد شيئًا آخر يحرك به عاطفتهم تجاهه إلا صحبة السجن.

وفي قوله: ﴿أأرباب متفرقون﴾: تحريك للعقل، استنطاق للتفكير.

وفي قوله: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ﴾: تقرير وحكم.

ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يأمره الله تعالى أن يقول لقومه وقد اتهموه: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ [سبأ: 46].

فالموعظة مخاطبة للعاطفة لأنها تورث الشفقة وترقيق القلوب القاسية، ثم يربط العاطفة بالعقل فيقول: ﴿ثم تتفكروا﴾ ثم يحكى لهم الواقع الملموس لديهم جميعًا: ﴿ما بصاحبكم من جنة﴾ إذ لا يستطيع أحد من المخاطبين أن ينكر تلك الحقيقة ماعدا المكابرين منهم، إن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد عاش فيهم قبل النبوة أربعين عامًا لم يعرف عنه جنون، ولم يصبه مرض منفر، فكيف ينكرون ذلك، ويزعمون بعدما جاءهم بالحق الواضح والبراهين الصريحة أنه مجنون، فذلك بلا شك افتراء لا يليق بالعقلاء.

ثالثاً: السنة ومخاطبة العقل والعاطفة:

لم يكن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وأسلوبه في الدعوة إلا مستمدًا من القرآن الكريم، ومن ثم كانت السنة في خطابها، تجمع بين حض العقل على التفكير، ومناجاة الوجدان والقلب بما يحركها.

1- ففي مجال مناجاة القلب والوجدان نجد قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو يعلمهم: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد»، وهل ثمة عاطفة أبلغ من هذه.

يقول الخطابي معقبًا على هذه العبارة: «كلام بسيط وتأنيس للمخطابين، لئلا يحتشموه ولا يستحيوا عن مسألته فيما يعرض لهم من أمر دينهم، كما لا يستحى من الولد عن مسألة الوالد فيما عنّ وعرض له من أمر، وفي هذا بيان وجوب طاعة الآباء، وأن الواجب عليهم تأديب أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين».

كما اتضحت العاطفة الحانية في أفعاله صلى الله عليه وسلم وضوحًا ساطعًا، وذلك في تقبيله للأولاد، وعدم ضربه أحدًا من المسلمين، وعفوه عمن آذاه.

ومعلوم أن أسلوب الداعية لا يقتصر على الكلام، بل يشمل الأفعال كذلك، بل ربما كانت أدل على المقصود.

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أن الأقرع بن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدًا منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه من لا يَرحم لا يُرحم» وما ضرب امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيئًا من محارم الله، فينتقم الله عز وجل.

قال القرطبي: «والرحمة: هي رقة وصنو يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى، أو ضعيف، أو صغير يحمله على الإحسان إليه، واللطف به، والرفق، والسعي في كشف ما به، وقد جعل الله هذه الرحمة في الحيوان كله –عاقله وغير عاقله- فيها تعطف الحيوانات على نوعها، وأولادها، فتحنوا عليها، وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها، وحكمة هذه الرحمة تسخير القوى للضعيف، والكبير للصغير حتى ينحفظ نوعه، وتتم مصلحته، وذلك تدبير اللطيف الخبير.

إذا تقرر هذا: فمن خلق الله تعالى في قلبه هذه الرحمة الحاملة له على الرفق، وكشف ضر المبتلي، فقد رحمه الله تعالى بذلك في الحال، وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المآل، ومن سلب الله ذلك المعنى منه، وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ، ولم يلطف بضعيف، ولا أشفق على مبتلى، فقد أشقاه في الحال، وجعل ذلك علمًا على شقوته في المآل، نعوذ بالله من ذلك)، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن»، وقال: «لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء»، وقال: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي».

2- وأما في مجال العقل، ففي السنة الشيء الكثير، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر، قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر».

قال القرطبي: «وقولهم أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر» استفهام من استبعد حصول أجر بفعل مستلذ يحث الطبع عليه وكأن هذا الاستبعاد إنما وقع من تصفح الأكثر من الشريعة، وهو أن الأجور إنما تحصل في العبادات الشاقة على النفوس المخالفة لها، ثم إنه صلى الله عليه وسلم أجابهم على هذا بقياس العكس –وهو عمل عقلي- فقال: «أرأيتم لو وضعها في حرام؟» ونظمه: كما يأثم في ارتكاب الحرام يؤجر في فعل الحلال، وحاصله راجع إلى إعطاء كل واحد من المتقابلين ما يقابل به الآخر من الذوات والأحكام.

ومن خطاب العقل أيضًا، أنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن العدوى: أرأيت البعير الأجرب يكون في الإبل فيجربها فقال صلى الله عليه وسلم: «فمن أعدى الأول».

وسألته امرأة عن حكم الحج عن أمها التي ماتت، فأجابها: «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء»، فهذه خطابات تحرك العقل وتدفع نحو التفكير، ومن ثمّ يتوجه الاقتناع.

3- وكثيرًا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزج بين خطاب العقل وتحريك العاطفة وإثارة الوجدان.

روى الإمام أحمد بإسناد جيد عن أبـي أمامة أن فتى شابًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم فزجروه، وقالوا: مه، مه، فدنا منه قريبًا، قال فجلس.

قال: أتحبه لأمك؟

قال: لا والله، جعلني الله فداءك.

قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم.

قال: أتحبه لأختك؟

قال: لا والله، جعلني الله فداءك.

قال: ولا الناس يحيونه لأخواتهم.

قال: أتحبه لعمتك؟

قال: لا والله، جعلني الله فداءك.

قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم.

قال: أتحبه لخالتك؟

قال: لا والله، جعلني الله فداءك.

قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم.

قال فوضع يده عليه وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وأحصن فرجه»، فلم يكن شيء أبغض عليه من الزنا.

وهكذا ترفق النبي صلى الله عليه وسلم بالشاب في البدء، ثم أقنعه عقليًا ووجدانيًا بقبح الزنا وأثره على الأخلاق والمجتمع، فبعد أن رأى صلى الله عليه وسلم انجذاب الشاب إليه، وإقباله عليه، وقناعته العقلية بالذي حدث به، دعا له بهذه الدعوات الكريمات، ذات المعنى والمغزى، فقام من بين يدي رسول الله وليس شيء أبغض عليه من الزنا.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق داخلًا من بعض العالية، والناس كنفه – أي جانبه – فمر بجدي أسك -أي صغير الأذنين- ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء ما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت، فقال: والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم». 

ففي هذا الحديث استخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهد للتأمل والعبرة، فالمكان الذي وعظهم به صلى الله عليه وسلم من خلال مشهد الجدي الميت كان السوق، الذي هو مظنة الغفلة، والتطلع إلى نماء الأموال وزيادة الثروة، فكانت الموعظة بمثابة هزة قوية تناسب غفلة أهل السوق، دعاهم فيها إلى التأمل والتفكر، وأشعرهم بتفاهة الدنيا التي هانت على الله تعالى كما هان عليهم هذا الجدي الميت المنتن، ولا شك أن هذه الموعظة والعبرة ستتكرر لدى كل مسلم، كلما مر بجيفة منتنة، يدعوه مشهدها إلى الموازنة الصحيحة المطلوبة.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: [قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي إذ وجدت صبيًا في السبي فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قلنا: لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها»).

لقد أثار رسول الله صلى الله عليه وسلم عاطفة الصحابة ن من خلال هذا المشهد الممتلئ رقة ورحمة وشفقة من قبل أم وجدت ابنها بعد فقده، فانكبت عليه تقبله وتحتضنه وتلصقه ببطنها فبين لهم أن رحمة الله بعباده فاقت رحمة هذه المرأة بابنها.

وفي الوقت الذي أثار قيه العاطفة حرك كوامن العقل من خلال طرحه السؤال ومقارنته بين رحمة الله تعالى ورحمة الأم لزيادة ترسيخ الاعتقاد بذلك، حتى يكون ذلك الأمر مقترنًا بالحدث، ولا يكون مدعاة للنسيان.