بحث عن بحث

خطبة النبي  صلى الله عليه وسلم  في حجة الوداع والتوحيد

في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه فيما روي عن حجة النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: «إنا دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا لله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن عصيتم به، كتاب الله، وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبّابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم! اشهد، اللهم اشهد» ثلاث مرات.

هذه كانت آخر خطبة توجه بها رسول البشرية وإمام الهدى إلى الأمة المسلمة، يوجز فيها أهم مبادئ هذا الدين الذي بعثه الله للدعوة إليها وترسيخها في نفوس الناس، والتي جاهد من أجلها ثلاثة وعشرين عامًا، وتأتي أهمية هذه الخطبة بوصفها وصية لأهم تلك المبادئ، رغم تكرار الالتزام بها كثيرًا خلال فترة الدعوة، ولكنها جاءت هنا لعظم شأنها وخطر تركها، ويمكن إيجاز تلك المبادئ في النقاط التالية:

أ – تأكيد حرمة المسلم: وفي هذه الحرمة بيان للأمة أن المؤمن ذو شأن عظيم، نفسه وماله وعرضه، وكل ما يملك، فيجب الحفاظ عليها، وعدم الاستهانة بها، أو إهدار شيء منها، لما يترتب على ذلك من غضب وعقاب من الله تعالى، لقوله جل شأنه: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾.

ويقول الرسول الكريم  صلى الله عليه وسلم : «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق»، وفي ذلك بيان لمكانة المسلم عند ربه، وأنه ذو مقام رفيع وشأن عظيم.

وتظهر من هذه الحرمة أيضًا حقيقة العلاقة التي تربط المسلمين بعضهم ببعض، كونها علاقة عقيدة وفكر وتصور للخالق والكون والحياة، وأن الآصرة التي تربطهم ببعض تذوب فيها العلاقات الدنيوية الأخرى، من نسب أو مصالح أو غيرها، كما كانت عليه الجاهلية قبل الإسلام، وقد ضبط الإسلام علاقة العقيدة بضوابط حتى تبقى على متانتها ورصانتها، ولا تخرج من دائرتها الإيمانية، فحرّم – بالإضافة إلى حرمة الدم والمال – الحسدَ والتباغض بين المؤمنين، لقوله  صلى الله عليه وسلم : «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا»، وحرّم الهجر والشحناء كذلك بين أبناء هذا الدين، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، كما حرّم هذا الدين التجسس على المؤمنين وإساءة الظن بهم، قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا»، وغر ذلك كثير من حقوق المؤمن على أخيه المؤمن.

ب – كل شيء من أمر الجاهلية موضوع: وهذا البند العظيم الذي يفصل بين الإيمان والكفر كان أساس دعوته عليه الصلاة والسلام، واحتوى معظم مناسك الحج من أفعال وأقوال هذا المبدأ، بل جاءت في الحقيقة لتثبيت هذا الإعلان الفاصل في نفوس أبناء الأمة، لتستقل شخصيتها وتصورها عما كان عليه المشركون في الجاهلية.