بحث عن بحث

التوحيد في دعاء نبينا إبراهيم عليه السلام

الدعاء كما قال عليه الصلاة والسلام هو العبادة، وهو من أحب ما يريد الله تعالى سماعه من عباده في أي وقت كان، هو عبارة عن تضرع العبد إلى ربه رغبة في نعيمه ورهبة من عذابه، يرجو ثوابه ويخشى عقابه، وفيه يبث العبد شكواه ومصيبته وألمه وحزنه إلى ربه الذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه ترجع الأمور، فيعترف هذا العبد أمام هذا الخالق الجبار بضعفه وقلة حيلته أمام ما يعتريه من نوائب الدهر ومدلهمات الأمور، ليفرج عنه ذلك ويبدله بعسره يسرًا وبكربته فرجًا ومخرجًا، وكان ذلك سنة الأنبياء جميعًا بأحوالهم المختلفة، فهذا هو نبي الله يعقوب عليه السلام يشكو إلى الله حاله وما أصابه بعد فقدان ابنه يوسف عليه السلام فيقول: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ وهو ما كان يفعله الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فقد شكا إلى ربه وبث إليه ضعفه وقلة حيلته في مواطن كثيرة.

وقد حث الله تعالى عباده في مواطن كثيرة في كتابه العزيز على دعائه دون غيره، واللجوء إليه في الأمور كافة، فإنه سميع مجيب، يقول تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ  ﴾.

وقد وعد الله تعالى عباده بأنه سيستجيب لدعوتهم وشكاويهم إذا أخلصوا النية لذلك، ولم يشركوا في تلك الدعوات معه أحدًا من الآلهة البشرية أو المصنوعة من الأحجار والأشجار وغيرها مما يدعون من دونه عز شأنه، ووعد الذين يتكبرون عن ذلك ويلجأون إلى غيره بالوعيد الشديد والعذاب الأليم، فقال جل شأنه: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾.

وقد أكد على ذلك الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي».

ولكن بشرط أن يكون العبد على يقين من قبول هذا الدعاء، في حالة الشدة والرخاء، وأهم من هذا كله أن يكون مطعمه ومشربه حلالًا، يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنَّى يستجاب له».

ويقول عليه الصلاة والسلام أيضًا: «من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء».

والدعاء من العبادات المهمة في الحياة، التي حث عليها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وعلّم أصحابه وأمته من بعده كيفيته والأوقات التي يجب الدعاء فيها لتكون مجابة، ولأهمية هذا الدعاء وعظم شأنه أخبرنا عليه الصلاة والسلام أن القضاء لا يرده إلا الدعاء، فقال: «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر».

وإن من أهم الأوقات والأماكن التي يستحب فيها الدعاء أيام الحج، لا سيما يوم عرفة، وأما في الأماكن ففي الحرم وفي عرفات، وعند الصفا والمروة وأثناء الطواف، وسائر المشاعر وأوقات الحج، لذلك كان الدعاء هو المحور القولي الأساس لمناسك الحج جميعها، لأن العباد قد توافدوا من أوطانهم وديارهم ما يريدون إلا اللجوء إلى خالقهم، بالتضرع إليه ليغفر لهم ما سلف من الأعمال التي اقترفوها في جنب الله، ويفتح لهم صفحة جديدة في الحياة، مليئة بالخير والصلاح، والطاعة والالتزام.

وهذا يرجع بنا إلى الوراء، عندما ترك خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام زوجته هاجر ك في تلك الأرض القاحلة، وبين تلك الجبال السوداء، نادى ربه بدعائه المعروف في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ  ﴾.

فكان الدعاء الأول للنبي الذي أذّن في الحج لربه بعد أن تركهم لإقامة توحيد الله وذكر الله والصلاة وغيره في ذلك المكان الموحش حينها، هو أن يجعل الله قلوب الناس ومشاعرهم وتصوراتهم تتجه إلى جهتهم، وأن يسبغ الله تعالى على أهله وذريته من بعده الرزق الوفير والعيش الرغيد، وقد أجاب الله تعالى تلك الدعوة، ولا تزال آثارها حاضرة إلى الآن، وستبقى إلى يوم القيامة.

وبعد أن فرّج الله عن هاجر ك وعن إسماعيل عليه السلام كربهم، وآنسهم بقدوم الناس إليهم، جاء الأمر الإلهي لإبراهيم عليه السلام، ليرجع إلى تلك البقاع ويرفع القواعد مع ابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، إلا أنه لم ينقطع لحظة عن الدعاء إلى ربه والتضرع إليه، فإنه يعلم ما سيكون عليه الأمر من بعده، ويعلم أن هذا البيت إنما هو لتوحيد الله تعالى، فجعل يدعو دعاء عظيمًا لنفسه وابنه وذريته وأمته من بعده، بعد أن أرسى محور التوحيد في الأرض وأقام أركانه، فيقول الله تعالى عن هذا الدعاء، في آيات كتابه الكريم:

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿126 وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿127 رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿128 رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾.

فإن هذا الدعاء يشمل أمورًا عظيمة في التوحيد.