بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله الكريم الوهاب، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، العظيم التواب ، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى الآل والأصحاب، والتابعين ومن تبعهم وسار على نهجهم الصواب.أما بعد:

عباد الله! وبعدما استلم يوسف عليه السلام منصب عزيز مصر، وتوارى الملك إلى الظل، صار يوسف هو الحاكم الفعلي للبلاد، وأدار يوسف البلاد في سنوات الخصب والرخاء السبعة، واستفاد من خصب هذه السنوات، وأقبل الشعب على الزراعة الرعوية كل سنة، ثم مضت كل سنوات الخصب، وأقبلت سنوات الجدب السبعة، وأثر القحط على المزروعات وأصاب الناس الجوع والفقر، وأحسن يوسف اجتياز خطر الجوعة والمجاعة بفضل الله وحكمة إدارته، وفي هذا الجو قدم أولاد يعقوب عليه السلام إلى مصر التي هي بلاد يوسف ووصلوا مصر ودخلوا على عزيز مصر وطلبوا منه الطعام قال تعالى: (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين. فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون. قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) [يوسف: 58-62]. ولما دخل إخوة يوسف العشرة عليه عرفهم؛ لأنهم إخوة كبار، وهو يعرفهم لما كان مقيماً معهم في الأسرة، أما هم فلم يعرفوه، ونقف هنا على مظهر من حصافة يوسف وكياسته عليه السلام؛ حيث لم يكشف لإخوته عن هويته، ولم يُعرفهم على نفسه، ولم يذكرهم بجريمتهم النكراء، ولم يقل في نفسه: جاء الآن دور الانتقام والثأر والقصاص! ولم يأمر بالقبض عليهم ولا بسجنهم ولو فعل ذلك بهم لما عاتبه أو أدانه أحد؛ لأنهم فعلوا به ما فعلوا!!

أيها المسلمون! بهذه الأخلاق النبوية الراقية استعلى يوسف على آلامه وأحزانه وجراحه، وتخلص من الحقد والتشفي والانتقام، وأحسن إلى من أساؤوا له، فهلا استفدنا – يا عباد الله- من هذه الوقفة في تعاملنا مع من أساؤوا إلينا، هل بادرنا بالعفو عنهم بل والإحسان إليهم حتى ننال ما عند الله من الأجر العظيم والفضل الكريم.. ولكن؟! (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). [فصلت: 34].

نعم – عباد الله- لقد تعامل يوسف عليه السلام مع إخوته بأخلاق النبوة؛ ليكون مثلاً رائعاً يحتذى به في تعاملنا مع أصناف البشر الذين قد بدرت منهم إساءة أو زلة، بأن نكون سباقين إلى الخير وإلى العفو عنهم بدلاً من أن نكون مثلهم في سلوكهم، فعامل الناس بأخلاقك لا بأخلاقهم!.. ولكن (وما يلقَّاها إلاَّ الذين صبروا وما يلقَّاها إلاَّ ذو حظ عظيم). [فصلت: 35].

    هذا وصلوا على نبيكم كما أمركم الله جل وعلا بقوله سبحانه (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي ........).