بحث عن بحث

r   ثانيًا التربية بالترهيب:

إن التربية بالترهيب والعقوبة من إحدى الوسائل المهمة في بناء شخصية الإنسان الإيجابية، حين لا تستجيب النفس ولا تنضبط بالترغيب وحده، فيكون الترهيب أداة معينة للترغيب ومكملة له لتصحيح المفاهيم وتقويم السلوك، ويتوقف ذلك على طبيعة النفس الإنسانية، حيث تستسلم بعض النفوس وتأخذ مسارها الصحيح بالتربية بالترغيب فحسب، وفي هذه الحالة يستغنى عن الترهيب والوعيد أو الشدة والقسوة معها، وبعضها الآخر تحتاج إلى الوسيلتين معًا، لتحقيق التوازن والاستقرار في بناء شخصيتها.

وينقسم الترهيب إلى قسمين:

1 – الترهيب باستخدام الشدة والقسوة في بعض الحالات التي تلزم ذلك، سواء في مراحل الطفولة أو المراحل التي تليها، وهذا الأسلوب ضروري من الجانب التربوي، وذلك من أجل تحقيق مصلحتين كبيرتين، هما:

أ – تحرير النفس من ظلمة البقاء على الخطأ الذي يكبر مع الإنسان، فحين لا يمنع الإنسان منذ صغره عن ارتكاب الخطأ، فإن هذا السلوك المنحرف يصبح شيئًا مألوفًا عنده ويستمر عليه، ولن يستطيع بعد ذلك أن يفارقه بسهولة.

فالطفل مثلاً: لا يعرف نتائج الخطأ الذي يرتكبه وأثره السلبي في المستقبل على حياته وحياة الآخرين، فحين يمنع بالقوة والشدة عن فعل ذلك، إذا استدعى الأمر، فهذا يعني أنه يسير نحو البناء الصحيح، والذي سيدركه حين يكبر ويميز الخبيث من الطبيب، بل إنه سيشكر من قام على إرشاده وتربيته.

ب – الحدّ من انتشار المظالم والمفاسد في الواقع، لأن ممارسة الشدة – إذا احتيج إليها - في المراحل المبكرة تمنع ظهور المظالم في المستقبل، وكذلك فإن التخويف بالعقوبة والشدة يحد من وقوع المنكرات والمعاصي.

ومن أجل ذلك جاءت العقوبات في الحدود على مقترفي الجنايات والجرائم في القتل والزنا وشرب الخمر والسرقة وغيرها، كما في قوله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾، وقوله تعالى في قطاع الطرق: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ   ﴾ .

2 – الترهيب من خلال التخويف من العقوبة التي تنتظر الإنسان في الآخرة والتي تترتب على كل معصية أو مظلمة أو تجاوز للحدود التي رسمها الله للإنسان، وهو من الأساليب التربوية في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ .

وقوله تعالى في تارك الصلاة: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ  فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ     مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ   قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ  فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾.

كما جاء هذا الأسلوب التربوي في الهدي النبوي من خلال أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثّل له شجاع أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - فيقول‏:‏ أنا مالك، أنا كنزك‏.‏ ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ  ﴾.

عن أنس رضي الله عنه قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط: «قال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين.

وينتقد بعض الغربيين التربية بالترهيب، ويعدّوها من الأساليب المنّفرة للنفس والتي تجلب الآفات والأمراض لها في المستقبل، وهي مقولة لا تتعدى أن تكون مجرد نظرية، لأن النفس تختلف من إنسان إلى آخر، فمنها ما تكون مرنة تنقاد بالحكمة والموعظة والترغيب، ومنها ما تحتاج إلى بعض الشدة مع هذا الترغيب والموعظة، ومن جهة أخرى فإن هذه النظريات فشلت حين اعتمدت كليًا على هذا المبدأ، لأن ممارسة اللين والترغيب مع جميع الناس، تؤدي إلى نشوء أجيال مائعة وضعيفة لا تقوى على تحمّل الأعباء والمسؤوليات في الحياة.

¡  ¡  ¡

وخلاصة القول في هذا الباب، أنه لا بد من الجمع في التربية والدعوة بين الترغيب والترهيب، فكلاهما جناحان مهمّان، وهذا أسلوب القرآن الكريم، فما ذكرت الجنة إلا وذكرت النار، كما أنه لا يمكن أن نعتمد كليًا على الترغيب من غير الترهيب، ولا نعتمد على الترهيب من غير الترغيب، فأحدهما يكمل  الآخر، حسب حالة الطفل أو الشاب، وعلى سبيل المثال:

- إذا تكرر الخطأ عند الطفل في سلوك معين، وحاول الوالدان أن يمنعاه بشتى وسائل الترغيب، لكنه لا يزال مصرًّا على خطئه، فإن الموقف يستدعي أن يُعامل بالترهيب والوعيد بالقسوة، حتى يترك هذه العادة السيئة أو التصرف المنحرف.

- وكذلك بالنسبة للكبار من الشباب وغيرهم، فإنه لا بد من التعامل معهم بأسلوب الترغيب والترهيب، مثل الموظف في مؤسسته، فإن الإدارة تقدره وتؤمّن له الظروف المناسبة للعمل والإنتاج، وتخصص له المكافأة المناسبة على ذلك، فإذا أهمل هذا الموظف أعماله المنوطة به وأخّر مصالح الناس بالتأخير عن الدوام أو التكاسل أو سوء المعاملة مع المراجعين، وتكرر ذلك منه، فإن على الإدارة حينها أن تمارس معه أسلوب الترهيب، إما بحرمانه من بعض المميزات أو خصم جزء من راتبه، أو فصله من العمل، حسب نوعية الإهمال وأثره.

¡  ¡  ¡

وبناءً على ذلك، فيجب أن تُبنى البرامج التربوية على الحوافز والتشجيع والترغيب، ولكن لو احتيج إلى الترهيب أو التهديد بالوعيد، فيوضع في موضعه، وبحسب حال المتربي، وتوقع نفع ذلك الأسلوب للمتربي. والحصيف من المربين هو الذي يضع الأسلوب المناسب في موضعه المناسب.