بحث عن بحث

السمة الخامسة: التوازن والوسطية:

فالمربي الواعي يجعل من هذا الاعتدال منهجًا في العملية التربوية، بعيدًا عن الغلو والتنطع وبعيدًا عن التميّع والتهاون، وهذه من أعظم سمات المنهج التربوي النبوي، بل إن هذا الدين كله يتسم بالوسطية، قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾.

1 - الوسطية في الاعتقاد: حيث أن الرب واحد وهو الله سبحانه وتعالى، لا إله غيره ولا رب سواه، بخلاف العقائد والمذاهب المخالفة، مثل الشيوعية التي تقول: لا إله والحياة مادة، والنصارى التي تقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، واليهود الذين يقولون: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، وعند المشركين: اللات، والعزى، ومناة، وغيرها.

2 - الوسطية في العبادة: حيث لا غلو فيها ولا رهبنة، ولا تقصير ولا تفريط، يقول عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون». وشدد الإسلام في محاربة الغلو في العبادة كما في قصة الثلاثة الذين تقالوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام:  «فمن رغب عن سنتي فليس مني».

كما حارب الانحراف والتساهل في الفرائض أو ارتكاب المحرمات فعاقب عليها أشدّ العقوبات.

3 - الوسطية في الاقتصاد: فلا شيوعية ولا رأسمالية، بل للفرد حق التملك، وله كامل التصرف في ماله ضمن الحدود والضوابط الشرعية، فليست الحرية مطلقة ليصل إلى ظلم الفقير، أو تكون مقيدة فيهدر جهده ويذهب ماله إلى الدولة.

4 - الوسطية في السلوك وفي التربية: فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، فلا تهمل جوانب التربية ليربى الأفراد – من أبناء وبنات وطلاب وطالبات وغيرهم – أنفسهم. ولا يعسفون بالقوة والشدة لينفروا ويبتعدوا، بل وسط بين ذلك، تعمل الأسباب الميسرة لذلك، والنتائج على الله تعالى.

فمثلاً: لا يدلل الطفل ويهيئ له كل شيء فيعتاد على ذلك، ولا يستطيع تحمل أي مسؤولية في المستقبل، ولا تكون شخصيته مهزوزة ضعيفة، وفي الوقت نفسه لا يشد عليه بالضرب والكلام والتصرفات والأوامر والنواهي، فتخرج هذه الأساليب شخصية عدوانية معاندة.

وكذا في جميع نواحي التربية، وقد مارس عليه الصلاة والسلام في تربيته لأهله الحزم في موضعه واللين في موضعه، وكذا في تربية العامة  «مه عليكم ما تطيقون من الأعمال فإن الله لا يمل حتى تملوا».

ومن هنا يجب أن نصوغ أساليب التربية في البيوت والمدارس والمحاضن، وجميع المؤسسات الاجتماعية على هذه الوسطية والتوازن، لإخراج جيل عامل ونافع، تساهم في بناء الأسرة والمجتمع والأمة في الميادين المختلفة.

¡  ¡  ¡

وبناء على هذه السمات التي تميّزت بها التربية النبوية يمكن بناء شخصية المسلم بناءً صحيحًا وسليمًا، لأنها تحدد التصور الصحيح، عن الإسلام وتعاليمه التي تهتم بجوانب الإنسان الحسّية والنفسية والبدنية وغيرها:

ففي البيت مثلاً: يقوم الوالدان بتطبيق هذه الأساليب وفق الآتي:

1 – العناية بالجانب الروحي للطفل، من خلال غرس الإيمان في نفسه، والذي يقتضي حب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، والتعلق بهذا الجانب للتغلب على سطو المادة ومغرياتها.

2 – الاهتمام بالعقل، من خلال تأمين الظروف والآليات المناسبة لتنمية المهارات والقدرات فيه، وحفظه من جميع ما يحط من شأنه، كالابتعاد عن المسكرات والمخدرات التي تقضي على التفكير والإبداع، وكذلك الابتعاد عن السحرة والمشعوذين والكهنة الذين يحجبون دور العقل أمام التحديات.

3 – الاهتمام بنظافة الأبناء البدنية والجسمية، بالغسل وممارسة الرياضة وغيرها.

4 – تدريب الأبناء على المنهج الوسطي والمعتدل في الطاعات والمعاملات، فيُعلّم الوالدان الأبناء بالحفاظ على الفروض والطاعات والنوافل حسب الاستطاعة والطاقة، وكذلك من غير إهمال وتقصير.

5 – اتباع منهج التيسير مع الأبناء، ما دام الأمر في إطاره الشرعي، لأن التشدد والقسوة على الأبناء في الأمر والالتزام يؤدي في كثير من الأحيان إلى النفور والتصدي، ومن ثم يكونون فريسة لمصادر تربوية غير سليمة.

وفي المدرسة مثلاً:

1 – يوضع مثل هذه الأساليب التربوية ضمن المناهج التعليمية.

2 – ترجمة هذه السمات التربوية إلى واقع عملي أمام الطلاب، من قبل المعلم أو التربوي أو المشرف.

3 – الاهتمام بالجانب الروحي عند الطلاب، مثل تدريبهم على مواجهة التحديات وتجاوز العقبات المادية بالإيمان والشجاعة وعدم الخوف وغير ذلك.

4 – ترسيخ مبدأ الاعتدال في أذهان الطلاب، في جميع الشؤون الدينية والدنيوية، والتحذير من الغلو والتشدد، بالتوجيه النظري والممارسة العملية من قبل المعلّم أو المربّي، والتحذير من الانحراف ووسائله المنتشرة.

5- القيام بنشاطات مدرسية حول هذه الأساليب والتعاليم النبوية في التربية، من خلال المسابقات أو اللوحات الثقافية، أو الرحلات الصيفية وغيرها، ليصبح عند الجيل الناشئ تصور صحيح عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وسلوكه مع أهله وأصحابه ومجتمعه.

وكذلك الحال بالنسبة لسائر المحاضن والمراكز التربوية الأخرى.

¡  ¡  ¡

والخلاصة: أنه بهذه المنهجية المتسمة بتلك السمات السابقة من الشمولية، والكمال، والواقعية، والتيسير تكون مخرجات التربية سليمة، قليلة الانحراف، بعيدة عن الشطط، منمية لمواهبها وقدراتها، فاعلة في مجتمعها، نافعة لنفسها، وللأسرة، وللمجتمع بأسره.

ولذا يجب بناء المنهاج التربوي على تلك السمات، وكذا جميع البرامج، لتكون حلقات في سلسلة واحدة يكمل بعضها بعضًا.