بحث عن بحث

  نقد المتون عند المحدثين
الشيخ سعد بن فجحان الدوسري

 

الحمد لله المستحق الحمد لآلائه، المتوحد بعزه وكبريائه، والصلاة والسلام على محمد خاتم رسله من أنبيائه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد،،،

فإن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وجعل هذه الرسالة قائمة على أصلين عظيمين بهما قوام الدين، وصلب الإسلام، كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

والسنة في أهميتها وحاجة الناس إليها لا تعدو أهمية من القرآن، وإن كانت ليست مثله في التعبد والتلاوة، إلا أنها تبين القرآن فتفصل مجمله، وتبين مبهمة، بل وتزيد عليه أحكاما شرعية كثيرة.

والسنة حظيت بالعناية والاهتمام من العصور الأولى، في التدوين والتدقيق والحفظ، إلا أنها في سالف الأمر زاد الاهتمام بها تدويناً وحفظاً وضبطا وتنوعا.

لذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يحتاطون في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشددون في ضبطه، حتى إن عمر رضي الله عنه يمنع من التحديث بالحديث إذا لم يكن مشتهراً ومعروفا عند الصحابة كما في حديث أبي سعيد في استئذان أبي موسى الأشعري على عمر رضي الله عنه.

وأخبارهم في ذلك مشهورة معروفة. وما ذلك منهم إلا حفظاً لجناب الشريعة، وصوناً لها من الدخيل أو الوهم والغلط. فهم يريدون أن تروى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم كما قالها، لا ينقصون ولا يزيدون فيها حرفاً، وقد كانت عائشة رضي الله عنها تختبر ضبط الصحابة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسؤالهم عنه وطلب ضبطه، كما طلبت من عبد الله بن عمرو بن العاص.

كما قد تورع بعضهم من التحديث لعدم أمنهم من التغيير في الحديث عند ذكره، وممن نقل عنه ذلك عمرو بن العاص ولما سئل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار)، فقيل له إنما قال: (من كذب علي متعمداً) بمعنى: أنه يجوز لك روايته والتوسع فيه إذا لم تتعمد الخطا، فقال: لا، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك كله نشأ في عصر الصحابة ما يعرف عندنا بنقد المتون، فقد كثر ذلك عندهم رضي الله عنهم لحاجتهم إليه لأن صحة السند مفروغ منها، حيث إن جميع الرواة الذين يروون الحديث في وقتهم عدول ثقات، لا شك في ذلك أحد.

ولعل أكثر من اشتهر عنه ذلك من الصحابة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فإن الأخبار التي ردتها لنكارة متونها كثير، لا تكاد تخفي على أحد، حتى إن الحافظ الزركشي جمع في ذلك كتاباً حافلاً أودعه عشرات الأمثلة، وسماه (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة)، اختصره السيوطي فيما بعد وزاد عليه.

وممن نقل عنه نقد المتون أيضاً عمر وابنه وابن عباس وعلي رضي الله عنهم. انظر كتاب مقاييس نقد متون السنة للدميني (ص/62).

ثم كانت هذه الطريقة هي طريقة من بعدهم من التابعين، فهذا الربيع ابن خثيم (61هـ) رحمه الله يقول: (إن من الحديث حديثاً له ضوء كضوء النهار، نعرفه به، وإن من الحديث حديثاً له ظلمة كظلمة الليل نعرفه بها) انظر معرفة علوم الحديث (ص/62).

ولما نقل لعروة بن الزبير (ت94) رحمه الله حديث (الصخرة عرش الله الأدنى) أنكر ذلك وقال: سبحان الله يقول الله: (وسع كرسيه السماوات والأرض) وتكون الصخرة عرشه الأدنى انظر المنار المنيف (ص/86)، مما يعلم بذلك استخدامهم لنقد المتن عند الحكم على الحديث.

كما أن هذه الطريقة وجدت فيمن جاء بعدهم، فهذا الإمام أحمد رحمه الله يأمر بالضرب على حديث أبي هريرة (أهلك أمتي هذا الحي من قريش) قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: (لو أن الناس اعتزلوهم)، لأنه خلاف الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني قوله (اسمعوا وأطيعوا). واستدل الحافظ أبو موسى المديني بهذه القصة على أن الإمام أحمد لم يورد في المسند إلا ما صح عنده واحتاط فيه إسناداً ومتناً. انظر مقدمة المسند لأحمد شاكر (1/24).

وهذا الإمام البخاري يعرض عن إخراج رواية (أفلح وأبيه إن صدق) مع إخراجه لأصل الحديث، لعلمه بمعارضتها الأدلة الكثيرة من تحريم الحلف بغير الله.

وقد استخدم بعض المحدثين هذه الطريقة في نقد الأخبار دون النظر إلى أسانيدها، كالخطيب البغدادي فأنه أبطل الكتاب الذي ادعى فيه اليهود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط الجزية عن يهود خيبر، لأن فيه شهادة بعض الصحابة ممن لم يحضر خيبراً، أو مات قبلها، انظر سير أعلام النبلاء (18/280).

حتى إنه بهذه الطريقة لم يسلم بعض ألفاظ الصحيحين من نقد المحدثين، ومن ذلك حديث الإسراء في بعض ألفاظه (ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة، أنه جاءه نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام..) وهذا يخالف المعروف عند المسلمين جميعاً أن الإسراء كان بعد البعثة، لذلك غلط المحدثون الراوي في هذا اللفظ، ولا يعني ذلك ضعف الحديث كله أو أن في الصحيحين أحاديث ضعيفه، ولكن في الجملة لا يسلم من النقد لفظة أو لفظتين من مجموع الأحاديث، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.

وممن اهتم بهذه الطريقة وبينها بياناً شافياً، بل ووضع قواعد لمعرفة الوضع والوهم والغلط في متون الأحاديث الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم (المنار المنيف).

ومن المعلوم الذي يجب القول به أن منهج نقد المتون كان استخدامه من قبل المحدثين قليلا بالنسبة لاستخدامهم لنقد الأسانيد والحكم على الرجال.

ويمكن أن يقال أن ذلك لعدة أسباب:

1-
إن اعتناء المحدثين بالإسناد ليس لذاته وانما لمصلحة المتن، فمتى كان رواة الحديث من الثقات الاثبات كان الاطمئنان إلى صحة ما نقلوه أكثر.
2-
أن نقد السند طريقة مختصرة للحكم على الحديث لان الراوي المتكلم فيه يتوقع منه الغلط والوهم بل وحتى الكذب.

3-
أن نقد المتن قد تختلف فيه وجهات النظر لاسيما وهو مسلك وعر، ومنعطف زلق يحتاج عند استعماله إلى علم واسع وتيقظ تام، بخلاف الكلام في الرجال ونقد الأسانيد، وان كان في بعض حالات الأسانيد من ذلك الأمر كالعلل الخفية.

ومن الأمثلة على اختلاف الآراء ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما لما سمع أبا هريرة يحدث بحديث: (الوضوء مما مست النار)، أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ فقال أبو هريرة: (يا ابن أختي إذا سمعت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له مثلاً) سنن الترمذي (1/114).

وهنا مسألة وهي ما هو الفرق بين نقد المتون عند المحدثين وبين نقده عند المستشرقين؟

خرج في هذا العصر ما يسمى بالمستشرقين وهم الذين يدرسون علوم الشرق (العرب والمسلمين)، فقرءوا القرآن وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يشككوا فيه وفي نقلته طعناً منهم وصداً عن سبيل الله، فجعلوا يوردون الشبه في الأحاديث، ويخالفونها بعقولهم، زعما منهم أن ذلك نقدا وتمحيصا للأحاديث ومن هؤلاء المستشرق جولد سيهر ومن تبعه ممن ينتسبون للإسلام كأحمد أمين وأبي ربة والغزالي والترابي وغيرهم.

والفرق بين ما يوردون وينقدون وبين ما يورده الأئمة من النقد، أن نقد المستشرقين هو شبه وظنون تحتاج إلى إجابة وإزالة إشكال، وقد تكون معروفة عند المسلمين مسلما بها عندهم كالإيمان بالمعجزات والآيات على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن الصحابة قد اعتنوا بالقرآن ودونوه، ولكن كما قيل:

ومن يك ذا فم مر مريض         يجد مراً به الماء الزلالا

 

أما نقد المتون عند الأئمة فهي واضحة جلية إذا عرضت على باقي النصوص والأدلة.
ومما يجدر التنبيه عليه أن نقد المتن يجب أن يرجع فيه إلى الإسناد، بمعنى أن كل علة ونكارة في المتن يجب أن يكون لها أصلاً في الإسناد، لأن ناقل المتن وراويه إنما هو من سلسلة الإسناد، ويعرف ذلك بجمع طرق الحديث وبيان القول في الرواة لمعرفة من الذي يمكن أن يأتي منه الوهم، حتى أن بعض المحدثين يلجئون في هذه الحالة إلى التعليل بما ليس بعلة كالعنعنة واحتمال الخطأ والظن أن الحديث أدخل على الشيخ بلا دليل واضح على ذلك.

(حجتهم في هذا أن عدم القدح بتلك العلة مطلقاً إنما بني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكراً يغلب على ظن الناقد بطلانه فقد يحقق وجود الخلل وإذ لم يوجد سبب له إلا تلك العلة والظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من ذلك النادر الذي يجئ الخلل فيه من جهتها). انظر مقدمة تحقيق الفوائد المجموعة للمعلمي (ص/11).

وبعد هذا الاستعراض السريع لهذه المسألة المهمة، فإنه يجدر بطالب العلم عند تخريج الحديث والحكم عليه مع الاعتناء بالسند الاعتناء بالمتن، والاهتمام بالنظر في ألفاظه مع محاولته إيجاد حكم على الحديث من الأئمة السابقين في نقده، لأنهم أعمق في هذا العلم، وأثقب نظراً وبخاصة المتقدمين منهم كالبخاري وأحمد وأبي ذرعة والدارقطني وغيرهم لأنهم أولو هذا المنهج وهذه الطريقة عناية تامة واهتماماً بالغاً، بخلاف غيرهم من المتأخرين كمن هم في عصرنا،فتجده يخرج الحديث تخريجا موسعا ويتكلم على رواته ثم يصدر حكمه فيه دون النظر إلى متنه حتى أن بعضهم نقل عد الحكم على الحديث الاكتفاء بالنظر إلى السند فقط دون النظر إلى المتن، ومن ثم وجدت أحاديث كثيرة حكم عليها المتأخرون بحكم خالفوا فيه المتقدمين.