بحث عن بحث

الوقفة الثانية

قوله ﷺ: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، وفي رواية أخري: «احفظ الله تجده أمامك».

وفي هذه الجملة عدة فوائد، هي:

الفائدة الأولى: في معنى قوله: «احفظ الله»، يقول العلَّامة ابن رجب ::

أ- «احفظ الله» يعني: احفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله تعالى في كتابه، وقال الله ﻷ: ﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴿32﴾ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ  ([2]).

ففهم من هذا: أن حفظ العبد لربه أن يقوم بأوامره وينفذها كما أمره، فإذا كان من أوامر الله الصلاة وسائر أركان الإسلام كان من المسارعين في التنفيذ والاستجابة، ومن حفظ العبد لربه أن يجتنب نواهيه وزواجره فلا يقربها، فإذا نُهِي عن ارتكاب المنكرات، وزُجِر عن اقتراف السيئات كالزنا، والسرقة، والإفساد، والكذب، والغيبة، والنميمة، ونحوها فعليه أن لا يقربها، وأن يبتعد عنها.

ومن حفظ العبد لربه: أنه إذا زل بزلة، أو ارتكب ذنبًا، أو خالف أمرًا من أوامر الله، أو عمل معصية من المعاصي؛ عليه أن يبادر بالتوبة والإنابة والاستغفار والرجوع لربه ومولاه، وخالقه، وموجده من العدم، والمنعم عليه، ليتم له حفظه ورعايته.

الفائدة الثانية: هناك عدد من النصوص القرآنية والنبوية أمرت بحفظ أشياء مهمة، أو المحافظة على بعض الأمور الشرعية، أستعرض بعضًا منها، فمن ذلك:

أ- المحافظة على الصلاة، فقد أمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة عليها، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ([4]).

وروى الإمام أحمد-بإسناد جيد- عن حنظلة الكاتب ط قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حافظ على الصلوات الخمس: ركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله، دخل الجنة، أو قال: وجبت له الجنة، أو قال: حرم على النار»([6]).

جـ- ومما جاءت النصوص في المحافظة عليه: المحافظة على الأيمان، قال ابن رجب :: «فإن الأيمان يقع الناس فيها كثيرًا، ويهمل كثير منهم ما يجب بها فلا يحفظه ولا يلتزمه»([8]).

د- ومما تجب المحافظة عليه: الرأس وما وعى من الحواس التي منحها الله للإنسان من سمع وبصر وغيرهما، فلا يستعملها إلا في طاعة الله تعالى، وحفظ البطن وما حوى، روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، عن ابن مسعود ط أن النبي ﷺ قال: «الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى»([10]).

وكما يجب على الرجل صيانة بصره ونظره؛ فينبغي على المرأة أيضًا كذلك أن تحافظ على بصرها، فلا تطلقه في النظر إلى الرجال الأجانب، وهذا الحكم ينطبق على الصور الخليعة في الأجهزة المرئية والصحف والمجلات ونحوها.

ومما يتضمنه حفظ الرأس أيضًا: المحافظة على اللسان، فلا يطلق المرء للسانه العنان يتكلم بما شاء من خير أو شر دون مراعاة لما ينبغي أن يتحدث به.

ومن ذلك: عدم إطلاق لسانه في أمور الحلال والحرام دون التمعن والتثبت فيما جاء عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ وهذا أمر خطير؛ فمن الملاحظ أن كثيرًا من الناس نصَّب نفسه مفتيًا، وأخذ يقول على الله تعالى برأيه وبدون علم، ولنعلم أنه قد قيل: «من قال في كتاب الله تعالى برأيه فأصاب فقد أخطأ».

ومما تساهل فيه الناس كثيرًا بالاشتغال بالغيبة والنميمة، ونقل كلام فلان وعلان، وصارت بعض المجالس ميدانًا رحبًا في أعراض المسلمين.

ومن ذلك أيضًا: التساهل في الكذب وقول الزور، وبخاصة في مجال الخصومات والبيع والشراء، ونقل الأخبار دون تثبت، ونحو ذلك.

والحاصل: أنه يجب على المسلم أن يحافظ كل المحافظة على لسانه، أخرج الحاكم في مستدركه، عن أبى هريرة ط عن النبي ﷺ أنه قال: «من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة»([12]).

وروى الإمام أحمد وغيره من حديث أبى موسى ط قال: قال رسول الله ﷺ: «من حفظ ما بين فقميه (أي لحييه) وفرجه دخل الجنة»، قال المنذري: ورواته ثقات([14]).

وروى البخاري ومسلم وغيرهما عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب»([16]).

وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الشكوك والشبهات، وعن التعلق بالشهوات، وعن الإصرار على ما حرم الله تعالى، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ([18]).

وروى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ط قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول -وفيه-: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»([20])، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ([22]).

فمن خلال هذا يتبين أن الذي يتعامل بالحرام ويتعاطاه لم يحفظ الله تعالى، وقد عرض نفسه لأمر خطير وعظيم.

هـ- ومما يحفظ به العبد ربه المحافظة على فرجه، فقد أمر الله سبحانه وتعالى بحفظ الفروج، وقد مدح الحافظين لها، فقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ([24])، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴿5إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ([26])، وفي رواية للحاكم قال: «من حفظ ما بين لحييه، وما بين رجليه دخل الجنة»([28])، قال ابن عباس: «هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلوا عنه».

ومن حفظ الله تعالى في صباه، وفى صغره وشبابه، وحال قوته، حفظه الله في حال كبره وضعفت قوته، ومرضه، ومتَّعه بسمعه وبصره، وحوله وقوته، وعقله، وذكر ابن رجب أن بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله، فوثب يوماً وثبةً شديدة فعوتب في ذلك، فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر.

والنوع الثاني: وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان»([30]).

ويقول ابن عباس م في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ([32]). ا.هـ.

وقال الله تعالى في شأن يوسف -عليه السلام- حيث حفظ الله تعالى في صغره وشبابه: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ([34]).

وروي أيضًا من حديث عبادة بن الصامت ط أن رسول الله ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، حرم الله عليه النار»، وفى رواية: «أدخله الله الجنة من أيّ أبواب الجنة الثمانية»([36])، ويعرض أعماله على ميزان شريعة الله فما كان موافقًا لها فيحمد الله تعالى، وما كان غير ذلك فيجدد التوبة لله ﻷ، ويقلع عمَّا يرتكبه من معاصي وآثام. كثير من المسلمين تساهل في كثير المحرمات وارتكب كثيرًا من المنكرات، ولم يعلم أن كل صغيرة وكبيرة عملها في هذه الدنيا سيجازى عليها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرَّا فشرًا، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴿7وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ([38])، قال قتادة: «من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل»، وكتب بعض السلف إلى أخ له: أما بعد، فإن كان الله معك فمن تخاف؟ وإن كان عليك فمن ترجو؟([40])، ويقول حكاية عن موسى: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ([42]).

وإذا كان هذا الشأن في الدنيا، ففي الآخرة كذلك عندما يفرّ المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، في ذلك اليوم العصيب الشديد الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد!!

ما أحوج الإنسان في ذلك اليوم إلى حفظ الله تعالى ورعايته له، لينجو من أهوال ذلك اليوم، يقول الله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴿31هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴿32مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴿33ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴿34لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴿35([44]).


([2]) جامع العلوم والحكم (1/ 462)

([4]) سورة المعارج، الآية: (34).

([6]) رواه الإمام أحمد في مسنده (37/110) رقم الحديث:(22436)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب المحافظة على الوضوء (1/ 101) رقم الباب: (4) ورقم الحديث: (277).

([8]) سورة المائدة، الآية: (89).

([10]) سورة النور: (30).

([12]) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان (4/2032) رقم الباب: (23) رقم الحديث: (6474).

([14]) رواه الترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان (4/31) رقم الباب: (47) رقم الحديث: (2521).

([16]) رواه الإمام أحمد في مسنده (2/355، 533)، ورواه الترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء من تكلم بالكلمة ليضحك الناس (3/ 381) رقم الباب: (7) رقم الحديث: (2416).

([18]) سورة الإسراء، الآية: (36).

([20]) سورة المؤمنون، الآية: (51).

([22]) رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب فضيلة الإنفاق، المجلد الثالث (7/ 83) رقم الباب: (19) رقم الحديث: (65).

([24]) سورة الأحزاب، الآية: (35).

([26]) تقدم تخريجه.

([28]) سورة الرعد، الآية: (11).

([30]) رواه ابن حبان في صحيحه، رقم الحديث: (934)، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند الحاكم (1/ 525).

([32]) نقلاً من كتاب: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (1/ 470).

([34]) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب جواز عرض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحة، المجلد الأول، (1/ 81) ،رقم الباب: (10)، رقم الحديث: (44).

([36]) تنظر: فوائد المحاسبة وما يتعلق بها في بحثنا: «وقفات مع آخر العام».

([38]) سورة النحل، الآية: (128).

([40]) سورة طه، الآية: (46).

([42]) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب المهاجرين وفضلهم (3/1125) رقم الباب: (2) رقم الحديث: (3653)، ورواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق، المجلد الخامس (15/ 529) رقم الباب: (1) رقم الحديث: (1/ 2381).

([44]) سورة آل عمران، الآية: (133).