بحث عن بحث

الوقفة السابعة

قوله ﷺ: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».

وفي هذا النص عدة فوائد:

الفائدة الأولى: أن المراد بهذه الجملة -كما يقول ابن رجب :-: «إن ما يصيب العبد في دنياه مما يضره أو ينفعه فكله مقدر عليه، ولا يصيب العبد إلا ما كتب له من مقادير ذلك في الكتاب السابق، ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعًا، وقد دل القرآن على مثل هذا في قوله ﻷ:  ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا([2])، وقوله جل وعلا: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ([4]).

فعلم منه أن كل شيء يحصل في هذه الحياة يصيب الإنسان من خير أو شر إنما هو بتقدير الله سبحانه وتعالى، سواء رضي العبد بذلك أو لم يرض، فعلى المسلم أن يؤمن بذلك تمام الإيمان، وأن يوقن به تمام اليقين، لتحقق الركن السادس من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر خيره وشره.

الفائدة الثانية: يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: «واعلم أن جميع مدار هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه، وراجع إليه؛ فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه ﻷ، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده؛ فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله سبحانه وتعالى من يعبد من لا ينفع ولا يضر ولا يغنى عن عابده شيئاً، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غير الله أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعاً، وأن يتقي سخطه ولو سخط الخلق جميعاً، وإفراده بالاستعانة، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، خلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ([6]).

الفائدة الثالثة: أن الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، لا يتم إيمان الإنسان إلا به، ولا يعني هذا الإيمان الاستسلام للشبهات والرغبات، والخوض في الانحراف والضلالات، والاستمرار في الذنوب والمعاصي، كلا. فإن الذي أمرنا أن نؤمن بهذا أمرنا أن نعمل وأن نجد ونجتهد، والرسول ﷺ قدوة الخلق أجمعين عمل وأمرنا بالعمل، وسعى وبذل الجهد، وأمرنا بذلك، كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويجاهد في سبيل الله حتى يسيل دمه، ولم يتواكل على القضاء والقدر، روى مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»([8])، قال علقمة: «هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى».([10])، وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: «أسألك الرضا بعد القضاء»([12])، قال بعض السلف: «الحياة الطيبة هي الرضا والقناعة».

ج- أما الدرجة الثالثة، فهي الصبر على الابتلاء لمن لم يستطع الرضا بالقضاء، فالرضا فضل مندوب إليه، والصبر واجب حتم، وله فضل عظيم، وفيه خير كثير، وأجر جزيل، نفصله في المسائل التالية:

المسألة الأولى: تعريفه:

الصبر هو حبس النفس عن الجزع والتسلط، ومنعها عن محارم الله، وإلزامها بأداء فرائض الله، يدل عليه ما روي عن ابن عباس م أنه قال: «الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: صبر على أداء فرائض الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى». ا.هـ. كلامه ط.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «الصبر: حبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية، وحبس النفس عن التسخط بالمقدور، فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام بها العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة، واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوبًا، فإن الله سبحانه وتعالى لم يبتله ليهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته، فإن لله تعالى على العبد عبودية في الضراء كما له عبودية في السراء، وله عبودية عليه فيما يكره كما له عليه عبودية فيما يحب». ا.هـ كلامه :.

المسألة الثانية: الصبر على أقسام ثلاثة:

أ- صبر على طاعة الله سبحانه وتعالى، وذلك أن الطاعة تكليف من الله سبحانه وتعالى لعباده بأن يقوموا بهذه الطاعة خير قيام، فتحتاج هذه الطاعة إلى مجاهدة النفس، والصبر على القيام بها، والمحافظة عليها، والمداومة على فعلها، واستشعار الإخلاص والصدق أثناء أدائها، ومن ذلك: الصبر على توحيد الله تعالى وعدم الإشراك به، وإخلاص العبادة له، وكذلك القيام بالصلاة فرائضها ونوافلها في أوقاتها مكتملة الأركان والواجبات، وغير ذلك من الطاعات، ويدخل فيه ما يعمله الفرد في وظيفته العادية، فالأستاذ يحتاج إلى صبر في أداء وظيفته على الوجه المطلوب، فيصبر على تلاميذه، ويتحمل التعب والمشقة في ذلك، والطبيب يحتاج إلى صبر في معايشة المرضى وعلاجهم، والوالدان يحتاجان إلى صبر في تربية أولادهم وتنشئتهم على الصلاح والتقوى، والمرأة تحتاج إلى صبر في القيام بوظيفتها الحقيقية من تربية أولادها، والاهتمام بهم، وكذا أعمال بيتها، وخدمة زوجها وطاعته، والداعية والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يحتاج إلى صبر في تبليغ دعوته إلى الناس برفق وحكمة ولين، وفيما يقول ويعمل، وهكذا، فجميع الطاعات تحتاج إلى صبر وعدم تضجر وقلق وتأفف.

ب- الصبر على معصية الله تعالى خوفًا من الله تعالى، ورجاء ثوابه، وحياءً منه سبحانه وتعالى أن يستعين بنعمه على معاصيه، فكثير من المعاصي والذنوب، وكثير من المخالفات تهواها النفس وترغبها، وكثير منها تلبي شهوة النفس، ألا ترى المغتاب يتلذذ بتجريح فلان وعلان؟ ألا ترى الزاني يلبي شهوة نفسه الجامحة؟ وألا ترى النائم عن صلاة الفجر يلبي رغبة النوم؟ وهكذا.. فشهوات النفوس ورغباتها في المعاصي كثيرة، وكلها تحتاج إلى صبر ومجاهدة، فمن يصبر-مثلًا- على ضبط لسانه عن الكلام المحرم، فلا يغتاب ولا يسعى بالنميمة ولا يكذب، ولا يساعد بقوله ظالمًا، ولا يجادل بالباطل، ولا يسخر بالمسلمين، ولا يستهزئ بهم، ولا يشهد زورًا، ولا يحلف كاذبًا، ولا يؤذِ مسلمًا، فإنه بذلك يتقي آفات لسانه، ويكون ممن صبر على ذلك، ومن يصبر على حفظ فرجه فلا يستعمله إلا فيما أحله الله، فإنه يأمن على سلامة عرضه، ويحفظه من الضياع، ومن يصبر على عدم أكل الحرام فلا يتعامل فيه، فإنه يسلم من تنمية جسده على الحرام، وهكذا.

جـ- الصبر على أقدار الله المؤلمة، وذلك أن الإنسان في هذه الدنيا معرض لأن يصاب بمصائب كثيرة، سواء كان في نفسه أو أسرته أو ماله، وسواء كان ذلك بمرض أو فقر أو غنى مطغ، وغير ذلك، فالمؤمن مطالب بأن يصبر على ما قدره الله تعالى عليه وقضاه، وأن لا يتسلط، فيكف نفسه ويحبسها عن التسخط، مع وجود الألم وتمني زوال ذلك، وأن يكف جوارحه عن العمل بالجزع.

إن هذا الصبر من مقومات الإيمان باللّه سبحانه وتعالى وبقضائه، واللّه جل وعلا يبتلي عباده في هذه الدنيا بأنواع البلايا والمحن، وخير الناس كلهم رسول الله ﷺ، وأحبهم إلى الله عز وجل، ومع ذلك ابتلي كثيرًا، وأوذي كثيرًا، وفى أحواله كلها- صلوات الله وسلامه عليه- كان صابرًا محتسبًا، بل كان راضيًا بقضاء الله جل وعلا، شاكرًا لنعمه.

المسألة الثالثة: أهميته في القرآن الكريم:

اعلم أخي المسلم! أنه ورد ذكر الصبر في كتاب الله تعالى في أكثر من تسعين موضعًا، بصيغ مختلفة، تارة بالحث عليه والترغيب فيه، وتارة بالترهيب من عدمه، وتارة بذكر جزاء الصابرين، وغير ذلك، وهنا أستعرض بعضًا من ذلك:

يقول سبحانه وتعالى آمرًا رسوله ﷺ بالصبر: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ([14]).

كما بين سبحانه وتعالى أن الصبر من صفات الرسل السابقين، فكانت نتيجة هذا الصبر حميدة، وعواقبه سليمة، يقول جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ([16])، ويقول جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴿41الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ([18]) ويقول جل وعلا في معرض صفات المؤمنين وما لهم: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴿74أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴿75خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴿76 قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا([20])، ويقول جل وعلا في عرض ما أعده الله لعباده الأبرار الصادقين الصابرين: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴿5عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴿6يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴿7وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴿8إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴿9إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴿10فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴿11وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴿12مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴿13وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴿14وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ([22])، ويقول جلا وعلا: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴿45 الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ([24])، ويقول سبحانه: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ([26]).

وما رواه مسلم أيضًا، عن أبي يحيى صهيب بن سنان ط أن رسول الله ﷺ قال: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»([28]).

وروى البخاري ومسلم، عن أنس بن مالك ط قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري»، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي! ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبي ﷺ فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولي»، متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «تبكي على صبي لها»([30]).

وروى البخاري ومسلم، عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس م: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله تعالى لي، قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها» متفق عليه ([32]).

المسألة الخامسة: الصبر في حياة السلف:

الصبر بأنواعه الثلاثة سمة صحابة المصطفى ﷺ، وأخبارهم في ذلك كثيرة ومشهورة، وكتب الحديث والسير مليئة بذلك، ككتب الصحاح والسنن والمسانيد، وكتب السير والتاريخ، ككتاب سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي رحمه الله، والإصابة للحافظ ابن حجر :، وغيرها كثير، ومن ذلك ما روي في قصة آل ياسر، فقد أخرج الطبراني -بسند رجاله ثقات- والحاكم والبيهقي وغيرهم عن جابر ط أن رسول الله ﷺ مر بعمار وأهله وهم يعذبون، فقال: «اصبروا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة»، وفي رواية أن رسول الله ﷺ مر بياسر وعمار وأم عمار وهم يؤذون في الله تعالى، فقال لهم: «صبرا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة».

وأخرج الحاكم وغيره عن عثمان ط قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله ﷺ بالبطحاء -بطحاء مكة- إذ بعمار وأبيه وأمه يعذبون في الشمس ليرتدوا عن الإسلام، فقال أبو عمار: يا رسول الله! الدهر هكذا، فقال: «صبرًا آل ياسر، اللهم اغفر لآل ياسر».

وروي أن أول شهيد في الإسلام أم عمار سمية، طعنها أبو جهل بحربة في قبلها فماتت، رواه أحمد والحاكم وغيرهما.

المسألة السادسة:من ثمرات الصبر، وهي ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر.

أ- ما أعده الله سبحانه وتعالى من الأجر العظيم والثواب الجزيل، كما سبق في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

ب- الاقتداء بالأنبياء والمرسلين الذين صبروا في طريق الدعوة صبرًا عظيمًا حتى وصفهم الله بذلك كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.

جـ - النصر مع الصبر، والفرج بعد الشدة، كما قال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرًا، وأن مع الشدة فرجًا»، وكما دلت عليه الأمة آنفة الذكر.

د- الدرجات العلى من الجنة، قال تعالى: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿111قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴿112قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴿113قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴿114أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴿115فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴿116وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴿117وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ([34]).

هـ- الراحة والطمأنينة في هذه الحياة، كما صح عن النبي ﷺ قوله: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره له كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن»(

([2]) سورة الحديد، الآية: (22).

([4]) جامع العلوم والحكم (1/ 484).

([6]) جامع العلوم والحكم (1/ 484، 485).

([8]) سورة التغابن، الآية: (11).

([10]) رواه الترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، رقم الحديث: (2398)، ورواه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب الصبر عليه البلاء، رقم الحديث: (4021).

([12]) سورة النحل، الآية: (97).

([14]) سورة النحل، الآيات: (126-128).

([16]) سورة الرعد، الآيات: (22-24).

([18]) سورة المؤمنون، الآيات: (109- 111).

([20]) سورة السجدة، الآيات: (23، 24).

([22]) سورة البقرة، الآية: (153).

([24]) سورة العصر، الآيات: (1-3).

([26]) رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب الوضوء، (3/ 455) رقم الباب: (1) رقم الحديث: (1/ 223).

([28]) رواه البخاري في كتاب الجنائز، ما يرخص من البكاء في غير نوح (1/ 383) رقم الباب: (32)، رقم الحديث: (1284) ورواه مسلم في كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، المجلد الثاني (6/ 523) رقم الباب، رقم الحديث: (11/ 923).

([30]) رواه البخاري في كتاب الطب، باب أجر الصابر على الطاعون (4/ 1832)، رقم الباب: (31)، رقم الحديث: (5734).

([32]) في كلية أصول الدين أطروحة للماجستير بعنوان: (الصبر في السنة النبوية) جمع فيها الباحث الشيخ عبد الله الخثلان، النصوص المتعلقة بالصبر في السنة النبوية.

([34]) الفرقان: (74 76).

([35]) سبق تخريجه.