بحث عن بحث

الوقفة السادسة: الإيمان بالقدر

الإيمان بالقضاء والقدر هو المَعْلَم الثالث من أركان سعادة العبد في حياته كلها.

إن الإنسان بعد الحرص على ما ينفع، والاستعانة بالله، قد يحصل مطلوبه فيحمد الله ويشكره، ويسدي النعمة إليه، ويستعملها في طاعته وعبادته، وقد لا يحصل مطلوبه بعد بذله جهده، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشده في هذه الحالة إلى: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن «لو» تفتح عمل الشيطان».

هذا الموقف الحازم من المؤمن القوي مع ما يخالف توقعاته مما لا يريده من أمور الدنيا؛ يتوقع الأرباح الطائلة، فيأتي خلاف ذلك، يتوقع الثناء من صاحب العمل على عمله، ولا يراه إلا عبوسًا عليه، يأمل النجاح في عملية ما، فيقابله الفشل، يتمنى المولود الذكر، ولا يحصل، يبذل ويجد في طلب الرزق ولا يحصل إلا الشيء القليل، فكل ذلك يجب ألا يكسبه الشعور بالانهزامية أمام متاعب الحياة، أو التأسف على ما مضى، بل يزيده إيمانًا بقضاء الله وقدره، حتى يورثه ذلك قوة جديدة ويمضي قدمًا بنشاط أقوى.

والعبد إذا باشر الأسباب متوكلًا على الله تعالى، ووقع خلاف المقدور؛ فلا يتأسف على الماضي، فالتأسف باب من أبواب الشيطان يلج منه فيزيد القلب كمدًا وتحسرًا.

وعليه: فعلى المؤمن أن يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يتأسف على الماضي فيقول: «قدر الله» فيسند القدر إلى الله سبحانه، فإنه قد قدّر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ويقول: «وما شاء فعل» فجميع الأمور مرجعها إلى مشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يقول تعالى: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ }(1)، ويقول سبحانه:{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}(2)، ويقول  سبحانه: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(3) ، ويقول سبحانه: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}(4).

فكل ما يجري في هذا الكون هو في علم الله وحسب قضائه وقدره، ومن ذلك ما يصيب الإنسان من خير أو شر، فالمؤمن إذا أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإذا أصابته ضرَّاء صبر، وقال في نفسه: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}(5)، فكان خيرًا له.

وإلى ذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبهُ اللهُ لَكَ، وَإِن اجتَمَعُوا عَلَى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحفُ»(6). وفي لفظ لأحمد: «قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوك بِشَيْءٍ لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْك لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرْجَ مَعَ الْكُرْبَةِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»(7).

من هنا نعلم: أنه قد يُصاب المسلم بمصيبة في نفسه أو ماله أو أهله، أو يخالف توقعه؛ فالموقف الحازم منه يكون بما يلي:

1-أن يعلم أن ما أصابه في هذه الدنيا ما هو إلا بقدر الله ليس بمقدور العبد أن يغيره، يقول تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}(8).

2-أن يعلم أنه مبتلى في هذه الحياة بابتلاءات في النفس والمال والأهل، يقول تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}(9). ويقول تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(10).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [البقرة:210]

(2) [الحديد:22]

(3) [التغابن:11]

(4) [الأنعام: 59]

(5) [التوبة:51]

(6) رواه الترمذي في صفة القيامة، باب حديث حنظلة، رقم: (2516)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في ومن مسند بني هاشم، رقم: (2664).

(7) رواه أحمد في مسند بني هاشم، رقم: (2800)، وقد تحدثت عن هذا الحديث مفصلًا في كتاب: «حديث: احفظ الله يحفظك رواية ودراية».

(8) [التوبة: 51]

(9) [البقرة: 155]

(10) [الأنبياء: 35]