بحث عن بحث

الوقفة السادسة: الإيمان بالقدر

5-تذكر العبد بربه عز وجل، وحاجته إليه، وافتقاره إليه، ويتجرد عنده التوحيد، ويقوى الإيمان، فكلما أصابه شيء يتضرع إلى الله ويدعوه ويلتجئ إليه؛ لأن العبد إذا آمن بالقدر خيره وشره من الله لا يلتجئ عند نزول أي نائبة إلا إلى الله، وكذا لو أذنب ذنبًا ليس له ملجأ إلا الله عز وجل، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ عَبْدًا أصَابَ ذَنْبًا -وَرُبَمَا قالَ: أذْنَبً ذَنْبًا- فقالَ: رَبِّ أذْنَبْتُ -ورُبَّمَا قال: أصَبْتُ- فاغْفِرْ لِي، فقالَ رَبهُ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له ربّ يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأخذ بِه؛ غَفَرْتُ لعبدي. ثم مَكَثَ ما شاء الله، ثُمَّ أصَابَ ذَنبًا أو أذْنَب ذنبًا فقال: رَبِّ أذْنَبْتُ أو أصَبْتُ آخر فاغفره، فقال: أعَلِمَ عبدي أن له ربه يَغْفِرُ الذّنْبَ ويَأخذ به؛ غَفَرْتُ لعبدي. ثم مَكَثَ ما شاء الله، ثم أذْنَبَ ذَنْبًا -ورُبَّما قال: أصَابَ ذَنْبًا- قال: ربِّ أصًبْتُ، أو قال: أذْنَبْتُ آخر فَاغْفِرُه لي، فقال: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبّ يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأخُذ بِه. غَفَرْتُ لعَبدي –ثَلاثًا- فَلْيَعمَل ما شَاءَ»(1).

وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يلتجئ إلى ربه سبحانه وتعالى كلما أصابه هم، أو نزلت شدة، أو حصل الجدب، ففي الغزوة قبل القتال يتوجه إلى الله يدعو ويتضرع، فعن عمر بن الخطاب قال: لـمَّا كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا؛ فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مدَّ يديه فجعل يهتف بربّه: «اللهم أنجِز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض»، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه؛ فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﻷ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}(2)، فأمَدَّه الله بالملائكة(3).

وكذا عند نزول الجدب، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «شَكَا الناسُ إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قُحُوط المطر، فَأمَرَ بِمِنبَر، فَوُضِعَ له في المصلَّى، ووعد الناسَ يومًا يخرجون فيه، قالتْ عائشةُ: فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينَ بَدا حاجبُ الشمسِ، فقعدَ على المنبرِ، فكبَّرَ وحَمِدَ الله، ثمَّ قالَ: إِنكم شَكَوْتُم جَدْبَ دِياركم، واسْتِئْخَارِ المطر عن إِبَّانِ زمانه عنكم، وقد أمركم اللهُ أن تَدْعُوهُ، ووعدكُم أن يستجيبَ لكم. ثم قال: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إِلهَ إِلا الله، يفعلُ ما يُريد، اللهم أنت الله لا إِله إِلا أنتَ الغنيُّ، ونحن الفقراء، أنْزِلْ علينا الغيث، واجعلْ ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إِلى حين، ثم رفع يده، فلم يترك الرفع حتى بدا بياضُ إِبطيْه، ثم حوَّل إِلى الناسِ ظهره، وقَلَبَ - أو حوَّل - رداءه، وهو رافع يده، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلَّى ركعتين، فأنشَأَ اللهُ سحابة، فرَعَدت وبَرَقَت، ثم أمْطَرَتْ بإِذن الله، فلم يأتِ مسجدَه حتى سالت السيول، فلما رأى سُرْعَتَهُم إِلى الكِنِّ ضحك حتى بدت نواجذُه، فقال: أشهدُ أنَّ اللهَ على كلِّ شيء قَدير، وأَنِّي عبدُ الله ورسولُهُ»(4).

6-تذكير العبد بنعم الله تعالى: إن الله ﻷ قد أنعم على عباده بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}(5). فالعبد إذا لاحظ ما أنعم الله عليه بجانب ما أصيب فالنعم لا يعدها عاد، وأما المصائب فيمكن أن تعد على الأصابع.

7-الإيمان بالقدر من كبر الدواعي التي تدعو إلى العمل والنشاط والسعي بما يرضي الله؛ لأنه لا يتأسف على الماضي، ولا يقول إذا أصابه شيء: لماذا فعلت كذا وكذا، ويا ليتني كنت فعلت كذا وكذا، لأنه يؤمن إيمانًا راسخًا أنه مهما بذل الجهد لا مفرَّ له من قدر الله فلا يتأسف على ما مضى، ولكن في الوقت نفسه يجدد الحيوية والنشاط، والإقدام على العمل.

8-أن الإيمان بالقدر يعرَّف الإنسان قدر نفسه؛ فلا يتكبر ولا يبطر، ويشعر أنه بحاجة إلى ربه في كل حين، ومن عرف قدر نفسه لا يتكبر ولا يتغطرس، ولا يتعالى على أحد، بل يكون متواضعًا، ومن تواضع لله رفعه الله.

9-الإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض الحسية والمعنوية مثل الحسد؛ فإن مَن آمن بقضاء الله وقدره لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله؛ لأن الحسد يناقض الإيمان بالقدر، وأول حاسد في الكون هو إبليس لعنه الله، وأول معصية عصي بها الله هو الحسد، وإنما صدر ذلك لعدم الإيمان بقضاء الله وقدره، واليهود لو كانوا آمنوا بالقدر لما حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم على تشريف الله له بالرسالة، والكفار مازالوا يحسدون المسلمين على عقيدتهم الصافية والشريعة الكاملة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري في التوحيد، باب قوله: «أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ»، رقم: (7507)، ومسلم في التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، رقم: (2758).

(2) [الأنفال: 9]

(3) رواه مسلم في الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم.

(4) رواه أبو داود في صلاة الاستسقاء، باب رفع اليدين في الاستسقاء، رقم: (1173).

(5) [إبراهيم:34]