بحث عن بحث

المبحث الثالث: التحليل اللفظي للحديث

4-قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة».

أ- هكذا في رواية للبخاري وغيره.

وفي رواية له -أيضًا-: «فإن هم أطاعوا لذلك»، بدون ذكر (لك).

وفي رواية أخرى: «فإذا عرفوا الله».

وفي رواية-أيضًا-: «فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم».

وفي رواية لأبي داود والترمذي والنسائي: «فإن هم أطاعوك لذلك».

وفي رواية لابن خزيمة: «فإن هم أجابوا لذلك».

ولا فرق بين هذه الروايات في المعنى، فالمؤدى واحد، وهو استجابتهم للشهادة، وتلفظَهم بها.

ب- «فإن هم أطاعوا لك بذلك» أي: شهدوا وانقادوا واستجابوا بأن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

قال الحافظ ابن حجر: «وعدى أطاع باللام وإن كان يتعدى بنفسه؛ لتضمنه معنى انقاد»(1)

ج- «فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة».

الإخبار هو: الإعلام.

وفرض بمعنى ألزم وأوجب.

وهو في اصطلاح أهل الأصول: ما يثاب فاعله، ويعاقب تاركه.

وهل الفرض بمعنى الواجب؟ خلاف بين أهل العلم: منهم من جعل اللفظين مترادفين كالشافعية، والرواية المشهورة عن الحنابلة، ومنهم من جعل اللفظين متغايرين، وجعل الفرض آكد من الواجب، كالحنفية، ورواية عن الحنابلة(2).

5-قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليه صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم».

أ- هكذا في رواية للبخاري وغيره كما سبق.

وفي رواية أخرى له: «فإذا فعلوا الصلاة فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم، وترد على فقرائهم»، وكذا عند مسلم وغيره.

وفي رواية للبخاري -أيضًا-: «فإذا صلوا فأخبرهم. »

وفي رواية -أيضًا- للبخاري ري وغيره: «فإن هم أطاعوك بذلك»

ولا فرق في المعنى بين هذه الروايات، بل يوضح بعضها بعضًا.

ب- سبق الكلام على تعدي أطاع باللام في الفقرة السابقة.

ج- المراد بالطاعة هنا أحد معنيين: الإقرار، أو الفعل.

يقول ابن دقيق العيد: «طاعتهم في الإيمان: بالتلفظ بالشهادتين، وأما طاعتهم في الصلاة فيحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها وفرضيتها عليهم والتزامهم لها.

والثاني: أن يكون المراد الطاعة بالفعل.

وقد رجح الأول: بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفريضة، فتعود الإشارة بذلك إليها.

ويترجح الثاني: بأنهم لو أخبروا بالوجوب، فبادروا بالامتثال بالفعل لكفى، ولم يشترط تلفظهم بالإقرار بالوجوب، وكذلك نقول في الزكاة: لو امتثلوا بأدائها من غير تلفظ بالإقرار لكفى، فالشرط عدم الإنكار، والإذعان للوجوب، لا التلفظ بالإقرار»(3).

قال الحافظ ابن حجر: «والذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين؛ فمن امتثل بالإقرار أو بالفعل كفاه، أو بهما فأولى»(4).

د- في هذه الرواية: «قد فرض عليهم صدقة»، وفي رواية أخرى: «أن الله فرض عليهم زكاة».

والزكاة في اللغة: مصدر زكا الشيء، إذا نما وزاد.

يقال: زكا الزرع، إذا نما وزاد، وزكا فلان إذا صلح، ومنه قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}(5) .

وتطلق الزكاة على المدح والثناء، ومنه قوله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ}(6) (7)

وفي الاصطلاح: حق واجب في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص(8)

والصدقة في اللغة: أصلها من (صدق)، وتعني في الأصل: تحقيق شيء بشيء وعضده به، ومنه صداق المرأة، أي: تحقيق الحل وتصديقه بإيجاب المال(9)

والمراد بها في الاصطلاح هو المراد بالزكاة، إلا أن استعمال الزكاة غلب على الزكاة المفروضة، والصدقة أعم، ولكن غلب استعمالها عرفًا على الصدقة النافلة.

والدليل على الترادف: أن القرآن الكريم لم يفرق بينهما، فسمى الزكاة المفروضة صدقة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(10) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق (3/358).

(2) ينظر: الصحاح (3/ 1097)، والمسائل الأصولية، لأبي يعلى (42)، والمختصر في أصول الفقه (58)، والمغني في أصول الفقه (83، 84).

(3) ينظر: إحكام الأحكام (2/ 2).

(4) ينظر: الفتح (3/358).

(5) ينظر: الصحاح (6/2368).

(6) [الشمس، آية: 9].

(7) [النجم: 32]

(8) ينظر: المغني (4/ 5)، والروض (3/ 162)، والمبسوط (2/ 149).

(9) ينظر الصحاح (4/1506).

(10) [التوبة: 60]