بحث عن بحث

المبحث الخامس: مسائل علم الأصول والمصطلح

المسألة الثالثة: مخاطبة الكفار بفروع الشريعة:

استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة.

ووجه الدلالة أن الرسول صلى الله عليه وسلم رتب الأمر بالصلاة على الإتيان بالشهادتين.

يقول النووي : في معرض شرحه للحديث: «واستدل به بعضهم على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة من الصلاة والزكاة، وتحريم الزنا ونحوها، لكونه صلى الله عليه وسلم قال: «فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن عليهم...»، فدل على أنهم إذا لم يطيعوا لا يجب عليهم«(1).

ويقول الحافظ ابن حجر :: «واستدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع حيث دعوا أولاً إلى الإيمان فقط، ثم دعوا إلى العمل، ورتب ذلك عليها بالفاء، وأيضًا فإن قوله: «فإن هم أطاعوا فأخبرهم»، يفهم منه: أنهم لو لم يطيعوا لا يجب عليهم شيء«(2).

وقال الخطابي :: «قلت: في هذا الحديث مُستدَل لمن يذهب إلى أن الكفار غير مخاطبين بشرائع الدين، وإنما خوطبوا بالشهادة، فإذا أقاموها توجهت عليهم بعد ذلك الشرائع والعبادات؛ لأنه غ قد أوجبها مرتبة، وقدم فيها الشهادة، ثم تلاها بالصلاة والزكاة«(3).

ونقل العيني: في عمدة القاري كلام الخطابي(4).

وهنا سؤال: هل هذا الاستدلال قائم ومُسَلَّم؟

يجيب عن هذا الإمام النووي : بقوله: «وهذا الاستدلال ضعيف، فإن المراد: أعلِمْهم أنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدنيا، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، ولأنه صلى الله عليه وسلم رتب ذلك في الدعاء إلى الإسلام، وبدأ بالأهم فالأهم، ألا تراه بدأ صلى الله عليه وسلم بالصلاة قبل الزكاة، ولم يقل أحد أنه يصير مكلفًا بالصلاة دون الزكاة. والله أعلم«(5).

كما يجيب عن ذلك الحافظ ابن حجر : بقوله: «وفيه-أي: الاستدلال بالحديث على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة- نظر؛ لأن مفهوم الشرط مختلف في الاحتجاج به، وأجاب بعضهم عن الأول بأنه استدلال ضعيف؛ لأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب، كما أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قدمت إحداهما على أخرى في هذا الحديث، ورتبت الأخرى عليها بالفاء، ولا يلزم من عدم الإتيان بالصلاة إسقاط الزكاة«(6).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح النووي (1/ 198).

(2) فتح الباري (3/ 359).

(3) معالم السنن (2/ 199).

(4) ينظر: عمدة القاري (8/ 236).

(5) شرح النووي (1/198).

(6) فتح الباري (3/ 359).