بحث عن بحث

الوقفة الثالثة

المعنى الإجمالي للحديث

إن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان على فطرة الإسلام، كما جاء في الحديث عن أبي هُرَيْرَةَ ا قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ؛ كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَل تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟» ثُمَّ يَقُولُ: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الروم:30]([2]).

وهذا من حكمة الله تعالى البالغة، حيث أراد سبحانه ابتلاء بني آدم، كما قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴿2إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [سورة الإنسان:2-3]، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [سورة هود:7].

ولكن إذا تجاوز الماء الرأس، وانتشرت الضلالات والأباطيل، وصار الأمر لأتباع الشياطين، أرسل الله من عباده الصالحين رسلًا وأنبياء يخرجون الناس من الظلمات إلى النور، ومن المفاسد إلى المصالح، ومن الضلال إلى الهدى، فمنهم من بعث بشريعة جديدة، ومنهم من بعث بشريعة من قبله، حتى انتهى الأمر إلى خاتم النبيين محمد  صلى الله عليه وسلم ، فختم الله به الرسالات، فلا نبي بعده إلى يوم القيامة، كما جاء في الحديث: عن أبي هريرة، عَن النَّبِيِّ  صلى الله عليه وسلم  قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُم الأَنْبِيَاءُ؛ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ»([4]).

ففتح الله به قلوبًا غلفًا، وآذانًا صمًا، وأعينًا عميًا، ورفعت راية التوحيد على أرجاء المعمورة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ولكن من سنة الله تعالى في هذا الكون أن لا يبقى شيء على حالة واحدة، فيطرأ عليها بمرور الزمن ما يكدر صفاءها، وتبدأ عوامل الانحراف تتسرب إليها شيئًا فشيئًا، فمن فضل الله على هذه الأمة أن يبعث فيهم على رأس كل مائة سنة من يجدِّد لها دينها، فيبعد عن هذا الدين ما علق به من آراء ضالة، وأفكار شاذة، ومفهومات منحرفة، ويجلي الحقائق الملتبسة، ويحيي الفرائض المعطلة، وينفي عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. وهذا من عظيم فضله وامتنانه على هذه الأمة.

يقول المناوي :: «وذلك لأنه سبحانه لما جعل المصطفى خاتمة الأنبياء والرسل وكانت حوادث الأيام خارجة عن التعداد، ومعرفة أحكام الدين لازمة إلى يوم التناد، ولم تف ظواهر النصوص ببيانها بل لا بد من طريق وافٍ بشأنها، اقتضت حكمة الملك العلام ظهور قرم من الأعلام في غرة كل قرن ليقوم بأعباء الحوادث إجراء لهذه الأمة مع علمائهم مجرى بني إسرائيل مع أنبيائهم»([6]).

وقال الجوهري: «قولهم: أنت على رئاس أمرك أي: أوله»([8]).

فَالمُرَاد مِنْ رَأْس المِائَة فِي هَذَا الحَدِيث هُوَ آخِر المِائَة. قَالَ الحَافِظ ابن حجر رحمه الله فِي فَتْح البَارِي فِي تَفْسِير رَأْس مِائَة سَنَة: «مُرَاده أَنَّ عِنْدَ انْقِضَاء مِائَة سَنَة مِنْ مَقَالَته تِلكَ يَنْخَرِمُ ذَلِكَ القَرْن فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ تِلكَ المَقَالَة, وَكَذَلِكَ وَقَعَ بِالاسْتِقْرَاءِ, فَكَانَ آخِرَ مَنْ ضُبِطَ أَمْرُهُ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْل عَامِر بن وَاثِلَةَ, وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْل الحَدِيث عَلَى أَنَّهُ كَانَ آخِرَ الصَّحَابَة مَوْتًا, وَغَايَة مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَةٍ, وَهِيَ رَأْس مِائَة سَنَة مِنْ مَقَالَة النَّبِيّ  صلى الله عليه وسلم  , والله أَعْلَم»([10]).

r  وقت بعث المجدد:

إن الحديث يشير إلى أن المجدد يبعث على رأس المائة، وقد قال به جمهور العلماء، يقول الكرماني: «قد كان قبيل كل مائة أيضًا من يصحِّح ويقوم بأمر الدين، وإنما المراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه»، فيفهم من قوله أن من الضوابط لكونه مجددًا: أن يبعث على رأس المائة، وهنا ينبغي التفطن لأمر هام، وهو: أن كل من تكلم على حديث: «إن الله يبعث» إلخ إنما يقرره بناء على أن المبعوث على رأس القرن, يكون موته على رأسه, وأنت خبير بأن المتبادر من الحديث إنما هو أن البعث وهو الإرسال يكون على رأس القرن أي أوله، ومعنى إرسال العالم تأهله للتصدي لنفع الأنام، وانتصابه لنشر الأحكام، وموته على رأس القرن أخذ لا بعث. يقول الطيبي: «المراد بالبعث من انقضت المائة وهو حي عالم مشهور مشار إليه»(

 

يُشَـار بِـالعِلـمِ إِلَى مَقَـامـه
وَيَنْشُـر السُّنَّـة فِي كَلَامـه

وَقَالَ فِي مِرْقَاة الصُّعُود نَقْلًا عَن ابن الأَثِير: «وَإِنَّمَا المُرَاد بِالمَذْكُورِ مَن انْقَضَت المِائَة وَهُوَ حَيّ مَعْلُوم مَشْهُور مُشَار إِلَيْهِ»([13]).

فليس المراد أن تكون وفاة المجدد عند نهاية القرن؛ لأن كلمة «البعث» تدل على الإرسال والإظهار، والوفاة قبض وأخذ، بل المراد أن تأتي نهاية القرن على المجدد وهو حي يقوم بعمل التجديد، ويتصدى للإصلاح, قد اشتهر بذلك وعرف عنه. وهذا لا يتأتى غالبًا إلا بعد مضي فترة غير قصيرة، وبعد تقدم السن غالبًا، فلهذا قد تختتم حياة المجدد قريبًا من نهاية القرن.

وتطبيقًا لهذه القاعدة لم يعد السلف كثيرًا من المشهورين في أثناء القرن في عداد المجددين، مثل الإمام أحمد بن حنبل, مع جهوده العلمية ومرتبته المشرقة لم يذكره العلماء أمثال ابن عساكر, أو ابن الأثير، أو السيوطي، أو الزين العراقي في قائمة المجددين.

فنهاية القرن هي التوقيت الزمني لكل دورة من دورات التجديد، وهو وقت يحتاج إلى التجديد غالبًا، يقول المناوي: «وذلك لأن الله سبحانه لما جعل المصطفى خاتمة الأنبياء والرسل, وكانت حوادث الأيام خارجة عن التعداد, ومعرفة أحكام الدين لازمةً إلى يوم التناد، ولم تف ظواهر النصوص ببيانها، بل لا بد من طريق واف بشأنها, اقتضت حكمة الملك العلام ظهور قرم من الأعلام في غرة كل قرن ليقوم بأعباء الحوادث؛ إجراءً لهذه الأمة مع علمائهم مجرى بني إسرائيل مع أنبيائهم»([15]).

  • o78o

([2]) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة، برقم: (2865)، (ص: 1241).

([4]) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب: خاتم النبيين، برقم: (3535)، (ص: 595).

([6]) لسان العرب لابن منظور، حرف السين، فصل الراء، (4/394).

([8]) صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب: السمر في الفقه والخير بعد العشاء، برقم: (601)، (ص: 99-100)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: بيان معنى قوله غ: «على رأس مائة سنة لا يبقى نفس منفوسة»، برقم: (2537)، (ص: 1112).

([10]) ينظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي، (11/ 261- 262).

([12]) ينظر: عون المعبود للعظيم آبادي، (11/ 260).

([14]) فيض القدير للمناوي، (1/10).

([15]) ينظر: مفهوم تجديد الدين، بسطامي محمد سعيد، (ص: 35). وسيأتي -إن شاء الله- مزيد من دراسة الموضوع في الصفحات القادمة.