بحث عن بحث

الوقفة الخامسة

معنى التجديد

n    التجديد لغةً:

قال الرازي: «جدّ» الشيء، «يجِدّ» «جدّة» بكسر الجيم فيهما، صار جديدًا، وهو نقيض الخلق... و«تجدّد» الشيء صار جديدًا، و«أجدّه» و«جدّده» و«استجدّه» أي: صيّره جديدًا([2]).

وقال ابن منظور: «تجدّد الشيء صار جديدًا، وأجدّه وجدّده واستجدّه أي: صيّره جديدًا»(التجديد اصطلاحًا:

ليس هناك تعريف محدد ذكر في نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف بالمعنى الاصطلاحي لكلمة «تجديد»، بل هناك إشارات ودلالات إلى المفهوم العام، والسبب في ذلك أن معنى التجديد كان واضحًا في أذهانهم، فلذلك نراهم يتكلمون عن تعداد المجددين وتسميتهم كثيرًا، ولكن لا نراهم يتطرقون إلى تعريف التجديد, وبيانه من حيث هو مصطلح معروف كما تطرقوا إلى المصطلحات الأخرى المعروفة، والسؤال الذي كان عالقًا في أذهانهم لم يكن ما هو التجديد؟ بقدر ما كان من هو المجدد لكل قرن؟ ومع ذلك نلمح في أقوالهم ما يشير إلى معنى التجديد في ثنايا الكلام. فإليكم بعض أقوال السلف:

يقول الصعلوكي: «أعاد الله هذا الدين بعد ما ذهب، يعنى أكثره بأحمد بن حنبل، وأبي الحسن الأشعري، وأبي نعيم الاسترآبادي»([5]).

وقال المناوي: «يجدد لها دينها: أي يبين السنة من البدعة، ويكثر العلم، وينصر أهله، ويكسر أهل البدعة ويذلهم -قالوا- ولا يكون إلا عالمًا بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة»([7]).

ومن المعاصرين قال الدكتور محمود الطحان: إن المراد بالتجديد الوارد في الحديث النبوي هو: «بيان ما اندرس من معالم السنن، ونشرها وحمل الناس على العمل بها، وقمع البدع وأهلها، والعودة بالمسلمين إلى ما كان عليه الرعيل الأول من المسلمين على يد خليفة من الخلفاء الراشدين، أو على يد عدد من المصلحين، كل واحد منهم في ناحيته، أو على جماعة مصلحة تقوِّم الاعوجاج الذي حصل، وتنفض الغبار الذي ألمَّ بواقع المسلمين من انحراف عن منهج الله القويم، ويكون ذلك كل مائة سنة من الزمان؛ لأنها مدة طويلة يعود الناس فيها إلى الاعوجاج، وتظهر في تلك المدة الانحرافات عن دين الله سبحانه»([9]). ثم سرد أقوال السلف في معنى التجديد، إلى أن وصل في آخر كتابه إلى النتيجة التالية:

«المفهوم السليم هو المفهوم السنّي الذي كان في ذهن النبي  صلى الله عليه وسلم  حين قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، وأحق من أدرك هذا المفهوم هم السلف، وبالنظر في آرائهم وتعريفاتهم يتضح: أن التحديث الحق هو السعي للتقريب بين واقع المجتمع المسلم في كل عصر، وبين المجتمع النموذجي الأول الذي أنشأه الرسول  صلى الله عليه وسلم ؛ وكما يكون ذلك بإحياء مفاهيم ذلك المجتمع وتصوراته للدين، وإحياء مناهجه في فهم النصوص وبيان معانيها، وإحياء مناهجه في التشريع والاجتهاد، وإحياء مناهجه في تدوين العلوم وتكوين نظم الحياة، واقتباس النافع الصالح من كل حضارة، يكون أيضًا بتصحيح الانحرافات النظرية، والفكرية، والعملية، والسلوكية، وتنقية المجتمع من شوائبها»(ويتبين من هذا المفهوم، أن للتجديد معالم أساسية:

1-   أنه بعث وإحياء، وليس خَلق دين جديد كما يفهم بعض الناس، أو يريد أن يجعله تكية لخلق دين آخر.

2-   أنه إحياء لدين محمد  صلى الله عليه وسلم  الذي أتى به من عند الله تبارك وتعالى.

3-   أنه عام في جميع شُعَبِ الحياة أو في جانب من جوانبها.

4-   أنه يجب أن يكون مبنيًا على الكتاب والسنة.

5-   أن العمل والتطبيق إحياء لما كان عليه السلف، كما قال النبي  صلى الله عليه وسلم  في حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، وكلها في النار إلا واحدة، وهي ما كانت على ما كان عليه النبي  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه، فعن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم : «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ, حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ, وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً, وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً, كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً, قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»(مفاهيم خاطئة للتجديد:

من أهم هذه المفاهيم: أن التجديد هو عبارة عن تجديد الفكر الإسلامي، أو تجديد أصول العلوم الشرعية كأصول الفقه، وأصول الحديث، وكذا تجديد العلوم الإسلامية بعامة، لا بطريقة عرض تلك العلوم عرضًا سهلًا باستخدام وسائل جديدة، أو تنزيل بعض الأحكام الشرعية لمواجهة بعض المشكلات التي جدّت، كالتأمين والبيع بالآجل على أقساط وما إلى ذلك، وإنما انصبت الدعوة إلى تغيير الأفكار الإسلامية، وتغيير أصول العلوم الإسلامية زعمًا منهم لمسايرة العصر الذي نعيش فيه، وأن ما كتبه الأقدمون لا يتناسب ومعطيات العصر([13]).

وأغلب من قال بهذه الأقوال؛ من ليس له باع طويل أو قدم راسخ في العلوم الإسلامية، ومن المسلَّم به أن الذي لا يتمكن في دراسة العلوم الإسلامية، ولا يتخصّص فيها، ليس من حقه أن يتصدّر لتجديدها، ونقد مؤسّسيها وأئمتها، إنما هذا عائد لأهل العلم والاختصاص. وهذا مسلّم به في كل فن من الفنون، أو علم من العلوم، وهذا أمر في منتهى البداهة.

وقد تأثر بهذه الدعوة بعض الشباب الذين ليس لديهم سعة اطلاع على العلوم الإسلامية، وطول باع في العلوم الشرعية، وقدم راسخ في العلم بعامة، ومعرفة تامة بالثقافة الإسلامية.

ولبيان خطورة المفهوم السابق أعرض ما ينبني عليه هذا المفهوم، ومن ذلك:

1-   تغيير الدين نفسه أو بعضه.

2-   تغيير بعض أحكام الشريعة الثابتة والمستقرة.

3-   تأويل نصوص الكتاب والسنة على غير ما دلت عليه، وإنما بما يناسب العصر بزعم قائلها.

4-   تغيير القواعد والأصول التي بنيت عليها العلوم الشرعية، كأصول الفقه، وأصول الحديث، والقواعد الفقهية، وغيرها.

5-   ومن ثم جعل الدين مسايرًا لما عليه المجتمعات غير الإسلامية.

6-   خلخلة الثوابت والأصول الضابطة لمسيرة هذا الدين علمًا وعملًا.

p  موقف العلماء من هذه الفئة:

بفضل من الله ورحمته على هذه الأمة لقد قام في كل عصر وزمن علماء أجلاء؛ كشفوا عن الزيغ والضلال الذي ينسب إلى الإسلام، حتى صار الإسلام أبيض نقيًا كالشمس في رابعة النهار، وفي عصرنا هذا أبان كثير من العلماء الأفاضل-جزاهم الله خيرًا- ضلال هذه الفئة وغيّهم، وانحرافهم عن المنهج السويِّ، وكشفوا عن زيغهم وزيفهم، وأوضحوا أن التجديد لا يكون بتهديم الإسلام وتخريبه وتبديده؛ بل بإصلاحه بالنفي عنه تحريف الغالين, وانتحال المبطلين, وتأويل الجاهلين؛ يقول الدكتور محمود الطحان: "هذا بحث في بيان المراد بالتجديد الوارد في بعض الأحاديث، قصدت به التحذير مما يبثه بعض المنحرفين من أفكار غريبة عن الإسلام وأحكامه، لم يقل بها أحد من أئمة المسلمين من سلف الأمة وخلفها، زاعمين أنها من الإسلام، مستغلين اسم التجديد الوارد في السنة النبوية، وما أفكارهم هذه بتجديد، وإنما هي تهديم لأحكام الإسلام، وتخريب لقواعده وأصوله، وتشويش لأفكار المسلمين, وتطويع للإسلام ونظمه؛ كي يتقبل الأنظمة الدخيلة باسم الإسلام الجديد. والدعوة إلى مثل هذا التجديد في أفكار الإسلام وأصوله دعوة خطيرة جدًا؛ لأنها دعوة ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب؛ إذ أنها دعوة لهدم الإسلام، والتفلّت من أحكامه ونظمه، والثورة على تراثه الفقهي، لكن بدون مواجهة التيار الإسلامي ومعاداته، وإنما بالمشي معه لكن بلبوس إسلامي جديد»([15]).

قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[سورة الأعراف:52]. فنحن نعتز بهذه الآية الكريمة، ونوقن بأن المصلحة فيما فصله الله تبارك وتعالى في كتابه لنا.

وهذا الجهد المتواضع الذي بين يديك -أخي القارئ- ما هو إلا حلقة في سلسلة الدفاع عن السنة النبوية، والشريعة الغراء، حتى يتضح الحق لمن قصد الحق، وأراد أن يعمل به. {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة الأنفال:42], والحق أحق أن يتبع.

فعلى شباب الأمة أن يحذروا من الدعوات المنحرفة التي تريد التفلّت من الدين الإسلامي، وتطويع أحكامه لتوافق هواهم، مستغلةً اسم التجديد، والحقيقة أنها دعوة إلى هدم الإسلام وتخريبه وتبديده لا إلى تجديده وإصلاحه، وقد كثر الكلام وتشعب وبخاصة في الإعلام -المرئي والمقروء- لكتاباته وأدبياته، وذلك باسم حرية الرأي، وأمثالهم لينعق كلٌّ بما شاء، كيف شاء، ناسفًا كل القواعد والثوابت إلا عقله المجرد، وتبعيته لغيره، وانهزاميته أمام غيره.. كل ذلك ليوجد لنفسه مبررًا فيما يتخذه ويقوله من أحكام. فليتق الله تعالى من لا يعلم ليرد العلم إلى أهله.

p  من عناصر التجديد:

الكتاب والسنة هما المصدران الأساسيان للدين؛ من تمسك بهما فقد اهتدى إلى سواء السبيل، ومن تركهما فقد غوى وضل عن سواء السبيل، وإن الدين هو مجموع العلم بالكتاب والسنة والعمل بهما، والعلم يشمل النصوص والألفاظ، والعلم بمعاني تلك النصوص والألفاظ، كما أن العمل يستند على هذا العلم. ومن هنا يقسم بسطامي سعيد التجديد إلى ثلاثة عناصر.

  • التجديد بحفظ نصوص الدين الأصلية صحيحةً نقيةً.
  • التجديد بنقل المعاني الصحيحة للنصوص وإحياء الفهم السليم لها.
  • التجديد بإفشاء العلم والحث على العمل.

وفيما يلي إشارات موجزة على العناصر المذكورة:

1- المحافظة على نصوص الكتاب والسنة الأصلية: ومما لا شك فيه أن بقاء أيّ دين إنما هو ببقاء نصوصه الأصلية، وإذا لم يكن هناك اطمئنان إلى صحة هذه النصوص ونسبتها إلى مصادرها الأولى؛ فإن الدين ينهدم من أساسه، وأوضح مثال على قولنا ما حدث للأديان السابقة من اليهودية والنصرانية، فقد دخل في كتبها السماوية ما ليس منها، من أقوال أنبيائهم، وشروح تلاميذهم، وأقوال أتباعهم، وشروح أحبارهم ورهبانهم، مع ما حذف منها وبدّل –طبعًا- لهواهم ورغباتهم. فنسبة ما يسمى عندهم الآن بالكتب المقدسة إلى مصادرها مشكوك جدًا.

ولكن ديننا الإسلامي فقد تكفل الله تعالى بحفظ نصوصه؛ كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. فالقرآن لم يدخله تحريف قط، وأما الحديث وإن كان قد دخل فيه ما ليس منه، وزاد فيه الوضّاعون؛ ولكن الله هيّأ قومًا من المحدثين أبانوا هذا الوضع والزيغ فيه، وجعلوا الأحاديث بيضاءَ نقيةً موثوقةً إلى صاحبها -عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات- بالتصحيح والتضعيف لها بعد ما بذلوا جهودًا ضخمة ومضنية للتوثيق والتصحيح.

فالمحافظة على نصوص الدين الأصلية من الضياع ومن الاختلاط بغيرها, والجهود التي تبذل في سبيل توثيق النصوص، والعلوم التي نشأت لأجلها تعتبر أحد عناصر التجديد.

2- المحافظة على المعاني السليمة والصحيحة للنصوص المأثورة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم من السلف الصالح؛ لأن الصحابة تلقّوا من رسول الله  صلى الله عليه وسلم  معاني القرآن كما تلقّوا ألفاظه، وكذلك الأحاديث، وبجانب هذا التلقي المباشر من الرسول  صلى الله عليه وسلم  فإن هناك مميزات أخرى انفرد بها الصحابة، مما جعل فهمهم للنصوص هو الفهم السليم، وهي(أنهم شهدوا التنزيل وعرفوا أحواله.

  • أنهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن.
  • أنهم عرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن من العرب واليهود.
  • سلامة مقصدهم.
  • حسن فهمهم.

فالمحافظة على المعاني الصحيحة السليمة المأثورة من سلفنا الصالح، ونقلها إلى الآخرين، ونشرها بين الناس أحد عناصر التجديد.

3- التجديد بإفشاء العلم والحث على العمل: إن للعلم فضائل جمة وميزات خاصة، يكفي لفضله أن أول سورة نزلت في القرآن تحث على القراءة، قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، إلى آخر الآيات، وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:9]، كما قال في سورة فاطر: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28].

وقال النبي  صلى الله عليه وسلم : «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلمًا سَلَكَ الله بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الجَنَّةِ, وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ العِلمِ, وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالحِيتَانُ فِي جَوْفِ المَاء, وَإِنَّ فَضْلَ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ, وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ؛ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا العِلمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»([18]).

ووعد بالأجر العظيم لطالب العلم في قوله: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع»([20]).

هذا ما ذكره الشيخ بسطامي سعيد، ولعلي هنا أضيف أو أفرِّع على ما ذكر أن من التجديد:

1- عرض العلم الشرعي بأسلوب مناسب للعصر، فقد يتعذر أسلوب عصر سابق، فينبري بعض العلماء لتفسير القرآن الكريم، أو شرح بعض الأحاديث النبوية، أو تفصيل مسائل تطلبها العصر، وبيان بعض الأحكام على نوازل جديدة، أو إحياء الدعوة إلى الله بأسلوب معين، كل هذه وأمثالها أحسب أنها من التجديد.

2- إحياء سنّة واجبة أو مستحبة اندثرت أو كادت، وقد تفيد الأمة بأكملها.

3- إقامة الدين وقت غربته، والتمسك به، والدعوة إليه، مما يكون سببًا للاقتداء والتأسي.

التجديد والاجتهاد:

أشار السلف إلى مجال آخر من مجالات التجديد، وهو وضع الحلول الإسلامية للمشاكل التي تطرأ في حياة البشر، ففي كل عصر توجد حوادث طارئة ونوازل جديدة تستدعي أن يشرع لها حكم، وبالاجتهاد تشرع لها أحكام، فهذا الاجتهاد يدخل في معنى التجديد، وقد أشار إلى هذا الجانب بعض العلماء، قال المناوي: «وذلك لأنه سبحانه لما جعل المصطفى خاتمة الأنبياء والرسل، وكانت حوادث الأيام خارجة عن التعداد، ومعرفة أحكام الدين لازمة إلى يوم التناد، ولم تف ظاهر النصوص ببيانها بل لا بد من طريق وافٍ بشأنها، اقتضت حكمة الملك العلام ظهور قرم من الأعلام في غرة كل قرن ليقوم بأعباء الحوادث، إجراءً لهذه الأمة مع علمائهم مجرى بني إسرائيل مع أنبيائهم»([22]).

التجديد يناقض الابتداع:

البدعة: هي ما يحدث في الدين مما ليس له دليل في الشريعة، قال ابن رجب: والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعةٍ شرعًا، وإن كان بدعةً لغةً... كقول عمر لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: «نعمت البدعة هذه».

ومراده: أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، فمنها: أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان يحث على قيام رمضان، ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعاتٍ متفرقةً ووحدانًا، وهو  صلى الله عليه وسلم  صلّى بأصحابه في رمضان غير ليلةٍ، ثم امتنع من ذلك معللًا بأنه خشي أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أمن من بعده  صلى الله عليه وسلم  ([24]).

وقد جاء نهي عن الابتداع في الدين، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وفي رواية عنها: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»([26]).

وعن العِرْبَاض بن سارية قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله  صلى الله عليه وسلم  ذَاتَ يَوْمٍ, ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا, فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ, وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ, فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله! كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا, فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ, تَمَسَّكُوا بِهَا, وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ, وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ, وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»(

([2]) القاموس المحيط للفيروزآبادي، باب الدال، فصل الجيم، (1/291).

([4]) تبيين كذب المفتري، لابن عساكر، (ص: 53).

([6]) المرجع السابق، (2/ 281- 282).

([8]) مفهوم التجديد بين السنة النبوية وبين أدعياء التجديد المعاصرين، للدكتور محمود الطحان، (ص: 4).

([10]) المرجع السابق، (ص: 281).

([12]) ينظر: مفهوم التجديد بين السنة النبوية وبين أدعياء التجديد المعاصرين، للدكتور محمود الطحان، (ص: 4-5).

([14]) مفهوم التجديد بين السنة النبوية وبين أدعياء التجديد المعاصرين، للدكتور محمود الطحان، (ص: 1).

([16]) ينظر: فصول في أصول التفسير، للشيخ مساعد بن سليمان الطيار، (ص: 30).

([18]) سنن أبي داود، كتاب العلم، باب: فضل نشر العلم، برقم: (3660)، (ص: 525).

([20]) دلائل النبوة لابن كثير، (ص: 495).

([22]) نفس المصدر، (1/ 10).

([24]) الموافقات للشاطبي، (2/ 3).

([26]) جامع العلوم والحكم لابن رجب، (ص: 118).

([27]) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب: في لزوم السنة، برقم: (4607)، (ص: 651).