بحث عن بحث

الوقفة السادسة

التجديد وتأويل النصوص

إن الشريعة الإسلامية الغراء كاملة وشاملة وصالحة لكل الأزمان، ولكل الأمكنة، ولكل الأحوال، وقد بيَّن سبحانه كمالها وتمامها في محكم تنزيله، فقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة:3]، وأشهد الله نفسه وملائكته وأولي العلم على ذلك، كما قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة آل عمران: 18-19]، وبيَّن أن من أعرض عنها فهو من الخاسرين في الآخرة، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة آل عمران:85].

ومع هذا فقد قامت دعوات تدعو إلى تجديد الشريعة لكي تكون صالحةً للزمان الذي نعيش فيه، ولإصلاح هذه البيئة الأليمة، وكل يدلي بدلوه، ويقول رأيه فيها.

والأمر الذي يثير البلبلة في الأفكار هو أن أغلب رواد الإصلاح يرفعون راية الدين، ويدَّعون أنهم على الجادة التي ترك عليها النبي  صلى الله عليه وسلم  أصحابه، وأن قولهم هو الفيصل، ولو كان مخالفًا للنصوص الثابتة القطعية.

ولنعلم أن الغرب يراقب العالم الإسلامي بعيون كثيرة، ولدوافع وبواعث متعددة، فهناك أولًا: العداء الديني التاريخي، وثانيًا: المصالح الغربية الحيوية في العالم الإسلامي، وثالثًا: الخوف المتأصل من منافس يزيل سيادة الغرب، وغير هذه الأمور، ومن هنا فإن الغرب يرصد العالم الإسلامي بدقة، ويتابع كل حركة، ويحصي ويحلل ويتنبأ، ويوجه ويخطط لمستقبل العالم الإسلامي والمسلمين.

فمن مكائدهم للعالم الإسلامي: أن أوجدوا فئةً من المثقفين بين أبناء الأمة المسلمة، يتكلمون بلغتهم، ويلبسون لباسهم, ويسكنون معهم، ولكنهم ينتمون إلى الغرب بأفكارهم وميولهم، ويحاولون أن يحدثوا البلبلة والفوضى بين صفوف المسلمين عن طريق تأويل النصوص، والعبث بها حسب ما تمليه عقولهم وبدون ضوابط، بدعوى أنهم رجال قادرون على تجديد الشريعة لتكون ملائمةً لهذا العصر.

فمن مزاعمهم الباطلة: أن التقدم العلمي الحاضر، والمعارف المعاصرة، تستلزم إعادة النظر في الفكر الديني القديم، وتأويل تعاليم الدين لتتلاءم مع معارف وظروف العصر السائدة، فلا بد من إيجاد المواءمة بينه وبين الظروف الجديدة المتغيرة، وقد تكون هذه المواءمة بإعادة تفسير وتأويل بعض تعاليم الدين، ورفض التفسيرات القديمة لها، وقد تكون باطراح بعض التعاليم التي لم تعد مناسبة, وتغييرها بتعاليم مناسبة، وعلى كل حال فإنه لا بد من إعادة تكييف الدين على ضوء ظروف ومعارف العصر السائدة.

والإنسان في كل عصرٍ اعتبر عصره عصرًا جديدًا، عصرًا ذهبيًا، عصر التقدم والرقي، عصرًا متحضرًا ومتمدنًا، عصر العلوم والفنون، وظن العصور السالفة عصورًا بائدةً، عصورًا خاليةً من المزايا والمحاسن، عصورًا وحشيةً، عصورًا كان الناس فيها مصابين بالجهل والرجعية، والفوضوية والأنانية، وهذا الظن الخاطئ وقع فيه الإنسان في كل عصرٍ، مع أن الحقيقة أنه لم يدخل عليه أيّ تبدل أو تغير في طبعه منذ الإنسان الأول إلى يومنا هذا؛ ما عدا بعض الابتكارات العلمية، والتطورات التقنية، والاكتشافات الجديدة التي قد فتح الله أبوابها على الإنسان بفضل منه ورحمته سبحانه وتعالى, فكان عليه أن يشكر الله تعالى امتنانًا لهذه النعم الكثيرة، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ لكي يزاد له في النعم، كما قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}[سورة إبراهيم: 7] ونسي أن هذا ابتلاء منه سبحانه، كما قال تعالى على لسان نبيه سليمان عليه السلام: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [سورة النمل:40].

إن ديننا لا ينكر الاختراعات ولا الابتكارات العلمية، ولا يفرض قيودًا عليها إذا لم تكن ضارة بالجنس البشري، مثل ما فرضت المسيحية عبر القرون الماضية، والكتب مليئة بالوقائع والأحداث التي ارتكبوها في حق العلم وأهله، أما الإسلام فمن اليوم الأول حثّ على العلم والتعلّم والتعليم, فأول وحي منزل من عند الله فيه الحثّ على العلم، ولكنه يعطينا ضابطًا، وهو أن لا يكون العلم سبّب مضرةً للبشر، وأن يكون التغيير والتبديل في إطار الشريعة نفسها وفق ضوابطها الدقيقة.

يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: «إن التغيير صحيح ما دام يسير في إطار الدين، وفي الاتجاه الذي يحقق غاياته، ولن يكون الدين صحيحًا إذا استجاب لكل تغير». باعتباري مريدًا وتابعًا لدين لا يمكنني أبدًا أن أقبل وضعًا يستجيب فيه هذا الدين لكل تغير، ولا يمكن أن توافق أنت على ذلك أيضًا؛ لأن الدين ليس مقياس حرارة يقتصر عمله على تسجيل درجة الحرارة، ولا هو بالأداة التي ترصد اتجاه هبوب الرياح... لا يمكن تعريف الدين بهذه العبارات، ولا يمكن أن يصير إلى أداة آلية غريبة، وليس بيننا واحد يريد من الدين أن يعمل كسجل لتغيرات الأزمنة، وإن دينًا وضعيًا مزعومًا لا يمكن أن يتحمل هذا الوضع، فكيف بدين منزل؟!

إن الدين يقر التغير كحقيقة واقعة، ويعطي أكمل مجال لسير الأمور من أجل تحول صحيح سليم.

الدين يتقدم مع الحياة يدًا بيدٍ، ولا يواكبها فقط كتابع لها... ووظيفته أيضًا أن يميز بين تغير سليم وآخر غير سليم، وبين نزعة هدامة وأخرى بناءة... ويجب أن يقرر الدين فيما إذا كان التحول نافعًا، أو ضارًا بالبشرية، أو بأتباعه على الأقل.

وبينما يتماشى الدين مع الحياة جنبًا إلى جنبٍ من جهةٍ، فإنه يعمل حارسًا وحاميًا لها من جهةٍ أخرى, وتجب عليه مهمة المراقبة والضبط أيضًا، وليس من شأنه أن يلصق طابعه على أيِّ وثيقةٍ أو صكٍ.. بل يجب عليه أن يميز ويختار. أجل إنه يفحص «الوثيقة» أولًا ثم يصدر حكمه([2]).

إن المعيار الصحيح الوحيد لإدراك المصالح ودرء المفاسد في الشريعة والتقدم والتطور هو: القرآن, وما صحّ عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  من السنة؛ كما أشير إلى هذا الأصل العظيم في قوله  صلى الله عليه وسلم : «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ الله وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ»([4]).

والعقل الثاقب، والبصيرة النافذة، والفهم السليم، يساعد الإنسان في إدراك المحاسن والمفاسد المتفق عليها في جميع الشرائع. قال تعالى مقررًا ضرورة إعمال العقل والتفكر في الميادين التطبيقية: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [سورة محمد: 24]. وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [سورة يوسف:2], وقال تعالى: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سورة الأنبياء:67]، وغيرها من الآيات كثيرة.

r  الشريعة جاءت لمصالح العباد:

ومن القواعد المقررة: أن الشريعة الغراء جاءت لمصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، فقد أنزل الله على عبده ونبيه محمد  صلى الله عليه وسلم  شريعةً كاملةً وشاملةً تراعي تلك المصالح العائدة عليهم في دنياهم وأخراهم، قال تعالى مبينًا هذه الحقيقة: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة المائدة: 6].

فأخبر سبحانه وتعالى أنه لم يأمرهم بذلك حرجًا عليهم وتضييقًا ومشقةً؛ ولكن إرادة تطهيرهم وإتمام نعمته عليهم ليشكروه على ذلك, فله الحمد كما هو أهله، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا}[سورة النساء:28].

وفي الحديث قوله  صلى الله عليه وسلم : «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»([6]).

وقوله  صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ, وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا صلى الله عليه وسلم لَبَهُ, فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا, وَأَبْشِرُوا, وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِن الدُّلجَةِ»([8]).

فالشريعة الغراء راعت مصالح العباد في كل شيء؛ لأنها رحمة كلها، وجاءت من الرحمن الرحيم، يقول ابن القيم :: «وإذا تأملت الشريعة التي بعث الله بها رسوله حق التأمل وجدتها من أولها إلى آخرها شاهدةً بذلك، ناطقةً به، ووجدت الحكمة والمصلحة والعدل والرحمة باديًا على صفحاتها، مناديًا عليها، يدعو العقول والألباب إليها، وأنه لا يجوز على أحكم الحاكمين ولا يليق به أن يشرع لعباده ما يضادّها، وذلك لأن الذي شرعها علم ما في خلافها من المفاسد والقبائح والظلم والسفه الذي يتعالى عن إرادته وشرعه، وأنه لا يصلح العباد إلا عليها، ولا سعادة لهم بدونها البتة»([10]).

ويقول :: «فإن قيل: وما الدليل على تمادي الحكم مع تبدل الأزمان الأمكنة؟ قلنا وبالله التوفيق: البرهان على ذلك: صحة النقل من كل كافر ومؤمن على أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أتانا بهذا الدين، وذكر أنه آخر الأنبياء وخاتم الرسل، وأن دينه هذا لازم لكل حي، ولكل من يولد إلى يوم القيامة في جميع الأرض، فصحّ أنه لا معنى لتبدل الزمان، ولا لتبدل المكان، ولا لتغير الأحوال، وأن ما ثبت فهو ثابت أبدًا، في كل زمان وفي كل مكان وعلى كل حال، حتى يأتي نص بنقله عن حكمه في زمان آخر أو مكان آخر أو حال أخرى. وكذلك إن جاء نص بوجوب حكم في زمان ما، أو مكان ما، أو في حال ما، وبين لنا ذلك في النص، وجب أن لا يتعدى النص، فلا يلزم ذلك الحكم حينئذ في غير ذلك الزمان، ولا في غير ذلك المكان، ولا في غير تلك الحال، قال تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [سورة الطلاق:1]»(

([2]) مفهوم تجديد الدين، بسطامي سعيد، (214).

([4]) صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، برقم: (1718)، (ص: 762). وينظر ما كتبته حول هذا الحديث في رسالة: «حديث: تركت فيكم أمرين ...».

([6]) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: ما كان النبي غ يتخولهم بالموعظة والعلم، برقم: (69)، (ص: 17).

([8]) مسند الإمام أحمد، برقم: (25962)، (43/ 115). وإسناده حسن.

([10]) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم الظاهري، (5/ 590).

([11]) المرجع السابق، (5/ 591-593).