بحث عن بحث

الوقفة السابعة

هل المجدد رجل واحد أو أكثر؟

هذه المسألة اختلف فيها العلماء كثيرًا، فمنهم من قال: إن المراد به رجل واحد؛ وهذا رأي عدد من العلماء، ونسبه السيوطي إلى الجمهور فقال: وكونه فردًا هو المشهور قد نطق الحديث والجمهور.

وقد صنَّف السيوطي في بيان أسماء المجددين لكل قرن أرجوزةً سماها:  «تُحْفَة المُهْتَدِينَ بِأَخْبَارِ المُجَدِّدِينَ»(قال ابن الأثير في جامع الأصول في شرح قوله: «من يجدد لها دينها»: «قد تكلّم العلماء في تأويل هذا الحديث، كل واحد في زمانه، وأشاروا إلى القائم الذي يجدِّد للناس دينهم على رأس كل مائة سنة، وكأن كل قائل قد مال إلى مذهبه، وحمل تأويل الحديث عليه، والأولى أن يحمل الحديث على العموم، فإن قوله  صلى الله عليه وسلم  : «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» لا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلًا واحدًا، وإنما قد يكون واحدًا، وقد يكون أكثر منه، فإن لفظة «من» تقع على الواحد والجمع، وكذلك لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعوث: الفقهاء خاصةً، كما ذهب إليه بعض العلماء، فإن انتفاع الأمة بالفقهاء، وإن كان نفعًا عامًا في أمور الدين، فإن انتفاعهم بغيرهم أيضًا كثير مثل أولي الأمر، وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ، وأصحاب الطبقات من الزهاد، فإن كل قوم ينفعون بفن لا ينفع به الآخر؛ إذ الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء ويتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أولي الأمر، وكذلك أصحاب الحديث ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا، فكل واحد ينفع بغير ما ينفع به الآخر، لكن الذي ينبغي أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلًا مشهورًا معروفًا مشارًا إليه في كل فن من هذه الفنون، فإذا حمل تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى، وأبعد من التهمة، وأشبه بالحكمة...إلى أن قال: فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارةً إلى حدوث جماعة من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة، يجددون للناس دينهم»([3]).

m   وقال الحافظ في الفتح في شرح هذا الحَدِيث: «أَنَّهُ لَا يَلزَم أَنْ يَكُون فِي رَأْس كُلّ مِائَة سَنَة وَاحِد فَقَطْ، بَل يَكُون الأَمْر فِيهِ كَمَا ذَكَرَ فِي الطَّائِفَة وَهُوَ مُتَّجَه, فَإِنَّ اجْتِمَاع الصِّفَات المُحْتَاج إِلَى تَجْدِيدهَا لَا يَنْحَصِر فِي نَوْع مِنْ أَنْوَاع الخَيْر, وَلَا يَلزَم أَنَّ جَمِيع خِصَال الخَيْر كُلّهَا فِي شَخْص وَاحِد, إِلَّا أَنْ يُدَّعَى ذَلِكَ فِي عُمَر بْن عَبْد العَزِيز, فَإِنَّهُ كَانَ القَائِم بِالأَمْرِ عَلَى رَأْس المِائَة الأُولَى بِاتِّصَافِهِ بِجَمِيعِ صِفَات الخَيْر وَتَقَدُّمه فِيهَا; وَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ أَحْمَد أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الحَدِيث عَلَيْهِ, وَأَمَّا مَنْ جَاءَ بَعْده فَالشَّافِعِيّ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالصِّفَاتِ الجَمِيلَة, إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُن القَائِم بِأَمْرِ الجِهَاد وَالحُكْم بِالعَدْلِ, فَعَلَى هَذَا كُلّ مَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْد رَأْس المِائَة هُوَ المُرَاد سَوَاء تَعَدَّدَ أَمْ لَا»(وقال الحافظ ابن كثير: «الصحيح أن الحديث يشمل كل فرد من آحاد العلماء من هذه الأمصار ممن يقوم بفرض الكفاية في أداء العلم عمن أدرك من السلف إلى من يدركه من الخلف»(وقال المناوي: «ولا مانع من الجمع، فقد يكون المجدد أكثر من واحد»(وقال السهارنفوري نقلًا عن الشيخ محمد يحيى: «(من يجدِّد لها دينها)، أي: نوعًا منهم وأشخاصًا، فلا يلزم أن يكون واحدًا بالشخص، وإن ذهب العلماء في معنى الحديث إلى الذي نفينا، ووجه ما ذهبنا إليه أنه لا ينطبق على كثير ممن تشرف بالتجديد أن يكون جدّد كل نوع من أنواع الدين، فكم من محدث ليس له من تجديد الفقه نصيب، وكم من باعث على أعمال حسنةٍ هو في نشر أقسام العلوم غريب، مع أنه لم يسمع أن أحدًا من هؤلاء عمّ حديثه وفقهه جملة الأقطار، وتشرفت بتجديده- بحسب الظاهر-جملة القرى والأمصار. وأما ما قلنا فالأمر سهل، مع أن كلمة (من) ليست نصًا في الشخص الواحد... ولا يبعد أن يكون لكل مملكة وبلدة من معظم الممالك مجدد على رأس مائة»(وقال العظيم آبادي: «وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلزَم أَنْ يَكُون عَلَى رَأْس كُلّ مِائَة سَنَة مُجَدِّد وَاحِد فَقَطْ, بَل يُمْكِن أَنْ يَكُون أَكْثَر مِنْ وَاحِد»([9]).

فمن أقوال هؤلاء العلماء الأعلام نستخلص إلى القول: بأن حمل هذا الحديث على الجماعة أولى؛ كما حمل النووي «الطائفة الباقية على الحق، في حديث: «لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقّ, لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ, حَتَّى يَأْتِي أَمْر الله وَهُمْ كَذَلِكَ»([11]).

يقول الشيخ بسطامي سعيد: «وإن كان لي أن أبدي رأيًا في هذه القضية، فإن رأي تعدد المجددين في العصر الواحد يبدو أقرب للقبول؛ لأنه لا يمكن الادعاء أن واحدًا فقط في أي عصرٍ من العصور قد تمتع بمؤهلات فريدة لا يشاركه فيها غيره، كما لا يمكن الادعاء أن واحدًا فقط في أي عصرٍ من العصور قد عمّ تجديده جميع مجالات الدين، وإن كان من ناحية أخرى لا أظن أن عدد المجددين في كل قرن يصل إلى ذلك العدد الكثير الذي أحصاه ابن الأثير»([13]).

وبناءً على ما مرّ فالذي يظهر-والله أعلم-: أن القول بأن التجديد لا ينحصر بواحد. هذا هو الأقرب للصواب؛ لتعدد مجالات التجديد، كالتجديد في العلوم، والتجديد في الدعوة، والتجديد في القيام بشؤون الأمة، وفي الجهاد، وغيرها، وكذا لاتساع رقعة الإسلام -ولله الحمد- فيمكن أن يجدد مجدد في بقعة، والآخر في بقعة أخرى وهكذا, وهذا لا يعارض منطوق الحديث, فـ(مَنْ) قد تكون للواحد، وقد تكون للجماعة.

وهذا القول يجعل سعةً لأهل العلم-عقيدةً، وفقهًا، وتفسيرًا، وحديثًا، وغيرها- ولأهل الدعوة، وأهل السياسة، والاقتصاد، أن يدلي كل منهم بدلوه، ويسهم بما منحه الله تعالى من الإمكانات والقدرات. فلعلك أخي القارئ تكون منهم.

o78o


([2]) جامع الأصول لابن الأثير، (11/320-321).

([4]) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، (13/295).

([6]) فيض القدير للمناوي، (1/11).

([8]) عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي، (11/ 264).

([10]) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب: قوله غ: «لا تزال طائفة من أمتي»، برقم: (1920)، (ص: 857).

([12]) مفهوم تجديد الدين، (ص: 44).

([13]) التجديد في الإسلام، (ص: 44).