بحث عن بحث

الخطبة الثانية

   الحمد لله جابر قلوب المنكسرين، ومجيب دعاء المضطرين، أحمده سبحانه وأشكره على ما امتن به على عباده المؤمنين، وما تفضل به من قبول طلبات السائلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فتح الباب للراغبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، خاتم الأنبياء والمرسلين، دعا ربه، فأجاب بأعظم ما تجاب به مسألة السائلين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

  أما بعد : اتقوا الله، عباد الله! فما خاب من اتقاه، وما خسر من لجأ إليه، وطلب مأواه.

أيها المسلمون!

   عند تكالب المدلهمات، واشتداد الخطوب، وشدة الكروب، يكون إلى الله تعالى الملتجأ، وإليه المأوى.

   أيها المريض العاجز! أيها المبتلى القانط! أيها الفقير المنكسر! الجأوا إلى الله تجدوا الفرج بعد الكرب، واليسر بعد العسر، والرخاء بعد الشدة، والشفاء بعد المرض، والغنى بعد الفقر.

   عرفت امرأة من العامة بصلاح أولادها، وحسن خلقهم، فسئلت في ذلك وهي امرأة لا تقرأ، ولا تكتب، فقالت: لا شيء سوى أني لا أترك قبل الفجر ركعات أتضرع إلى الله، وأدعوه؛ ليصلحهم، ويوفقهم.

   أيها الأب الحاني على أولاده! تسعى لطلب رزقهم ومعاشهم، وتخاف عليهم المرض والبلايا وأصدقاء السوء، ليس لك حيلة في سعادتك وسعادتهم إلا باللجوء إلى الله ودعائه مخلصاً من قلبك بذلك، فلا تمل، ولا تكل يحقق الله لك الرجاء، ويبلغك الأمل.

   أيها الولد البار بوالديه! يا من تريد ثمرة هذا البر إنك لا تبلغه إلا بالدعاء لهم ليلاً ونهاراً سرّاً وجهاراً.

   أيها المكلوم المجروح! وأيها المظلوم المطروح! وأيها المحسود على نعم الله! ليس لك مخلص إلا الله، فانطرح بين يديه يرفع عنك الظلم، ويرد كيد الكائدين وحسد الحاسدين.

أيها المسلمون!

   للوالد والولد، والعالم والوالي، والأخ القريب، والصديق الحبيب وغيرهم من المسلمين حق عظيم، فاجتهدوا في الدعاء لهم بخيري الدنيا والآخرة، فدعاء المسلم لأخيه المسلم في ظهر الغيب مستجاب، ولك بالمثل، فلا تكن بخيلاً ممسكاً حتى بدعائك ورجائك.

أيها المسلمون!

   والمسلمون في كل مكان ضعافهم ومساكينهم ومحاويجهم، والمجاهدون، واللاجئون، والمستضعفون، والمقهورون لهم حقوق على إخوانهم المسلمين، ومن أعظمها وأجلها قدراً: الدعاء لهم بقلوب مخلصة، وأفئدة منكسرة، فالأرض تئن من جراحاتهم، ومن البغي عليهم، ومن إخراجهم من ديارهم، وتكالب الأعداء عليهم ، فكل يوم أنت تسمع مزيداً من المآسي والجراحات التي يندى لها الجبين، وتذرف لها العيون الدمع، والقلوب الدم، فإلى الله المشتكى ، فاجتهدوا في الدعاء لهم ليلاً ونهاراً سرّاً وجهاراً، بقلوب خاشعة في ظلمة الليل المدلهم، وفي الصلوات والخلوات، فلعل الله أن يتقبل منكم ويجزيكم خير ما يجزي عباده المؤمنين، وذلك يدل على قوة في إيمانكم وعظمِ علاقةٍ بربكم، وثبات في عقيدتكم، وصلوا وسلموا على رسول الله. كما أمركم المولى تعالى بقوله: (إنَّ الله وملائكته يصلون على النبي...).