بحث عن بحث

من مقتضيات العقيدة : الدعاء

الخطبة الأولى

  الحمد لله الحليم التواب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، أحمده سبحانه وأشكره لم يزل بالمعروف معروفاً وبالكرم موصوفاً، يكشف كرباً ويغفر ذنباً، ويغيث ملهوفاً، يرسل آياته ونذره، وما يرسل بالآيات إلى تخويفاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أكرم الخلق نسباً وتشريفاًَ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أما بعد:

عباد الله ! اتقوا الله تعالى، وأخلصوا له العبادة، وصِلُوا ما بينكم وبينه بالدعاء والطاعة.

أيها المسلمون!

   عقيدة الإسلام، المتمثلة بأركان الإيمان، ومقتضياتها وشعبها، كلٌّ مترابط لا يتجزأ، وحلق متصلة لا تنفك، وبنيان يكمل بعضه بعضاً، لا يجوز هدمه أو إفساده، بل يجب السعي إلى إكماله وتجويده، وقوته وتماسكه، وإن من أهم تلك المقتضيات، وأعظم تلك الشعب، دعاء الله ورجاؤه، وطلبه ومسألته، والاستعانة به، والاستغاثة به، وتوحيده في هذه المسألة، وذلك الدعاء.

   هذا الدعاء من أعظم مقتضيات العقيدة، وأهم عرى الإيمان، أمر به ربنا تبارك وتعالى، وأكد عليه، بل جعله الرسول صلى الله عليه وسلم هو العبادة كما روى ذلك الترمذي وغيره  .

أيها المسلمون!

   الدعاء هو إظهار الافتقار إلى الله، والتبري من الحول والقوة إلا له سبحانه، والاستشعار بالذلة له، وهو سمة العبودية الحقة.

   الدعاء: هو الاستعانة بالله، واللجوء إليه ومناداته، والاستغاثة به لجلب النفع والخير، ودفع الأذى والشر.

   والدعاء هو الثناء على الله تعالى بما هو أهله، وذكره بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.

   هذا الدعاء المليء بالخشوع والخضوع، والرغبة والرهبة، وقوة الالتجاء، وعظم الإلحاح، حاجة الإنسان إليه أعظم من حاجته للطعام والشراب، فالعباد في هذه الحياة لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرَّاً، ولا يستطيعون أن يصرفوا لأنفسهم خيراً أو يدفعوا عنها شرَّاً ، فليست الحياة صورة اللحم والدم، وامتلاء الجسم والعضلات، ولا بقوة الحركات، فهذه قوالب يشترك فيها بنو آدم مع السباع والبهائم، ولقد أدرك الإنسان في خضم هذه الحياة أن المفزع فيها، والمخلص فيها من حياة القلق والاضطراب، والحيرة والاكتئاب، والشك والارتياب، بعد الإيمان هو الدعاء، السلاح الذي يستدفع به البلاء، ويرد به شر القضاء، وهل شيء أكرم على الله من الدعاء؟ كيف والله جل وعلا يحب ذلك من عبده وانطراحه بين يديه، والتوجه بالشكوى إليه بل أمر عباده بالدعاء، ووعدهم الإجابة ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم)  [غافر: 60] وقال سبحانه: ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ) [البقرة: 186].

   لقد غفل عن هذا كثير ممن قصروا أنظارهم على الماديات، فكلّت بصائرهم، وعَشَتْ أبصارهم عن إدراك سنن الله سبحانه، وعجيب صنعه، ولطف أسراره.

أيها المسلمون!

   الدعاء دأب الأنبياء، وسمة الصالحين، دعوا الله في السراء والضراء، فاستجاب لهم في الشدة والرخاء، قال تعالى عن نوح عليه السلام: (كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر، فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر، وحملناه على ذات ألواح ودسر، تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر، ولقد تركناها آية فهل من مدكر) [القمر: 9-15].

   وقال عن زكريا عليه السلام: (رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقيَّاً، وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً، يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيًّاً) [مريم: 4-6].

  وهكذا إبراهيم عليه السلام يتضرع إلى الله حتى رزقه الذرية على كبره، فحمد الله، وشكره، يقول تعالى عنه : (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء، رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ، ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) [إبراهيم : 39-41].

ونبينا عليه الصلاة والسلام هو قدوة الداعين، فمواقفه مشهودة، وسيرته خير شاهد على ذلك.

أيها المسلمون!كل داع يطمع في استجابة دعائه، وقبول تضرعه، وجلب الخير له، ودفع الشر عنه، وقد أخبر المولى جل وعلا بأن من كرمه وفضله وجوده أن ذلك حاصل كما سبق في قوله تعالى: ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) [البقرة: 186].

  وهذه الإجابة لا تحصل إلا بحصول عواملها، وأهمها، وأعلاها، وأقواها: تجريد هذا الدعاء لله وحده، وعدم إشراك أحد معه غيره من شجر، أو حجر، أو قبر، أو ضريح، أو ولي، أو سيد، أو أي كائن من كان، يقول تعالى: (هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين) [غافر: 65].

   فمن دعا غير الله نبيّاً من الأنبياء، أو ملكاً من الملائكة، أو وليَّاً من الأولياء، أو صاحب ضريح مقبور، أو صاحب شعوذة، وقلب مسحور معتقداً أن هذا ينفعه، فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، والعياذ بالله، قال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار) [المائدة : 72].

   ويأتي بعد ذلك الخشوع لله تعالى في هذا الدعاء، والخضوع، والرغبة، والرهبة، وحضور القلب، والالتجاء إلى الله بصدق وإخلاص.

   ثم لينظف الداعي أمواله- بعد أن نظف قلبه- من التعامل بالحرام بأن يكون مطعمه حلالاً، ومشربه حلالاً، وملبسه حلالاً، ولا يتعامل إلا بالحلال، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، قال عليه الصلاة والسلام: فأنى يستجاب له ، فإلى من يتعاملون بالغش والخديعة، وإلى من ينمون أموالهم بالربا، وإلى من يأكلون أموال الناس بالباطل؟ ليعلموا أنهم حجبوا دعاءهم عن القبول ، وإلا فليتأملوا حالهم، ويستدركوا أنفسهم قبل فوات الأوان.

   ومن المهم في الدعاء ترك الاعتداء فيه، وذلك بأن لا يدعو في حرام، ولا يتجاوز ما أمر الله به، لا بقطيعة رحم، ولا بإثم، فهذا عامل لقبول الدعاء.

أيها المسلمون!

   وإن من عوامل القبول الحرص على آداب الدعاء، وتحري أوقات الإجابة وأمكنتها، ومن ذلك بدء الدعاء بحمد الله، والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسوله، والحرص على استغلال أوقات الإجابة، كآخر الليل، وفي الصلوات، وبين الأذان والإقامة، وحال الصيام، والحج، وفي السجود، وحال الخلوة، فاحرصوا وفقكم الله على هذه الشعيرة العظيمة، والجأوا إلى الله في جميع أحوالكم وظروفكم، يُجب الله دعاءكم، ويتقبل مسألتكم.

  اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم ما سألناك، فأعطنا، وما لم تبلغه مسألتنا من خيري الدنيا والآخرة، فاجعل لنا منه أوفر الحظ والنصيب.

   نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

   وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.